"الوطن" داخل مجزر البساتين.. الذبح الحرام

"الوطن" داخل مجزر البساتين.. الذبح الحرام
فى هدوء تام يقوده أحد الجزارين إلى داخل العنبر الكبير، البالغ طوله 200 متر تقريباً بعرض 20 متراً، والمصطف على جانبيه سلاسل حديدية و«جنازير» معلق عليها الذبائح، لا يزال بعضها فى طور «السلخ» وأخرى تشق إلى نصفين بساطور، وبينما يدور العمل داخل العنبر على قدم وساق، يسير الجمل الصغير فى العنبر من مقدمته إلى مؤخرته مشاهداً بقايا أعضاء الذبائح أرضها التى طلتها الدماء باللون الأحمر، وما أن يصل إلى نهايته يبتعد الجميع عنه ويلتف صاحبه ياسر فريد، 32 عاماً، من الخلف ممسكاً بسكين حاد «كزلك» يضعه فى مقدمة رقبته ويسحبه ليقطع شريان الرقبة لتنطلق نافورة من الدماء، وفى لمح البصر يضربه بقوة على ركبته اليمنى ليقطع أحد أوتار الجمل فيسقط مكانه.. هذا أحد مشاهد الذبح التى تتكرر يومياً مئات المرات داخل مجزر البساتين بالقاهرة وباقى المجازر المنتشرة على مستوى الجمهورية.
يقول «فريد»، أحد الجزارين المترددين على مجزر البساتين، إنه تعلم فن الذبح من والده الذى كان يعمل جزاراً، مشيراً إلى أنه ورث المهنة ويتردد دائماً على المجزر لذبح الجمال ونقلها إلى متجره بالعباسية، لافتاً إلى أن المجزر فقط يقوم بختم الذبائح غير متدخل فى عملية الذبح التى يتولاها هو والعاملون معه، بقوله: «أنا اللى بدبح لنفسى ومعايا الصبى يشفّى وفيه هنا شطاط بيقسم لنا الجمل وكله بيتراضى».
يروى «فريد» كيف يتم الذبح داخل المجزر قائلاً: «نسحب الجمل من المجزر ندخله جوّه وندبحه جوه العنبر وفى مكانه نعلقه ونسلخه وبعد كده يتختم»، مشيراً إلى أن الجمال تشاهد بعضها وهى تذبح، وأن ذلك يتسبب فى بعض الأحيان فى حالة من الهياج لبعض الجمال، وأنه تتم السيطرة عليها بضربها فى الأوتار لإسقاطها على الأرض وذبحها، موضحاً أن الذبح لا بد أن يكون بسكين حاد وفى أسفل الرقبة فى المنطقة الخالية من العظام والغضاريف، قائلاً إنه تعلم الذبح من صغره وإنه ذبح أول مرة وعمره 10 سنوات فقط. وبسؤاله حول ضربه لركبة الجمل بعد ذبحه، قال: «مفيش عمال يجروا وراه فضربته على ركبته علشان يقع مكانه ونسلخه ونخلص بس أنا سميت قبل ما أدبح إنما فيه جزارين بيدبحوا وخلاص»، لافتاً إلى أن بعض الجمال تكون قوية وتتمكن من الخروج خارج العنبر حتى بعد قطع وريد الرقبة، ما يستدعى الجميع إلى ضربها وسحبها من الخارج إلى داخل العنبر، ما يشكل خطراً على العاملين والجزارين فى العنبر.
مرتدياً بالطو أبيض ملطخاً بالدماء، يتجول داخل المجزر يتابع بعينين زائغتين النشاط داخل العنبر الكبير، يصطحبه الختَّام حاملاً الختم المعدنى الكبير وزجاجة المحلول المائى، يتابع سير العمل داخل العنبر فهو المسئول عن التصريح بخروج الذبائح من المجزر بعد ختمها. يقول الدكتور أحمد محمد رئيس خط الجمال بمجزر البساتين، إنه يسمح بختم الجمال بعد التأكد من سلامتها وصلاحيتها للبيع فى الأسواق، مشيراً إلى أن الجمال من الحيوانات ذات المناعة القوية وقليلة الأمراض، وأنه قليلاً ما يتم إعدامه مقارنة بالحيوانات والذبائح الأخرى، مقدراً أنه يتم إعدام ذبيحة واحدة أسبوعياً من بين قرابة 70 جملاً تذبح فى اليوم الواحد، موضحاً أن هناك محرقة بالمجزر يتم فيها إعدام الذبيحة غير الصالحة للبيع.
ويضيف «محمد» أن الحالات التى يتم إعدامها تكون مصابة غالباً إما بالحمى أو بالصفراء، وأنه يكتشف هذه الأمراض من خلال الكبد والأحشاء الداخلية للجمل والطفيليات، مؤكداً أن الذبائح يتم غسلها جيداً قبل أن تخرج وأن المجزر يوفر المياه والكهرباء، وأنه يتقاضى «عوايد» من الجزارين تقدر بـ35 جنيهاً عن الذبيحة الواحدة، وأن المجزر يحتوى على 5 عنابر آلية و4 يدوية، وأن أكثر الفترات التى تشهد ازدحاماً هى عيد الأضحى وشهر رمضان.
وحول مدى التزام المجزر بقواعد الذبح الصحيحة والمقررة فى الشريعة الإسلامية.