آمال عثمان تكتب| الأسد الذهبي يتوج المشاعر الإنسانية في مهرجان وهران

آمال عثمان تكتب| الأسد الذهبي يتوج المشاعر الإنسانية في مهرجان وهران
بقدر الأحلام تتسع الأرض وتنطلق الرؤى، ولأن السينما صندوق الأحلام الذي يختزل الكون ويحتضن البشر، وهي الذاكرة الحية التي تختزن الصور والمشاهد، وتحفظ الأحداث الوقائع، وهي أيضًا الأداة التي يتحاور فيها الإنسان مع نفسه خارج ذاته، لذا فقد امتدت أمامي الأرض، وتجسدت الرؤى والأحلام عبر الشرائط السينمائية التي كانت حاضرة فوق شاشة مهرجان وهران السينمائي للفيلم العربي، وقد استطاعت المشاعر الإنسانية أن تخطف الجوائز من القضايا الكبيرة.. ونجحت اللغة السينمائية البعيدة عن الخطابة والمباشرة والمبالغة في الاستحواذ على إشادة النقاد وإعجاب الجمهور وتقدير لجان التحكيم التي منحت جوائزها لمجموعة من الأفلام التي حملت قيمًا إنسانية عميقة.
الأشجار تموت واقفة.. لكن قصص الحب تموت مستسلمة داخل جدران البيوت.. وحكايات العشق تقتلها الغربة داخل القفص الذهبي.. هكذا بات حال روميو وجولييت عندما تزوجا وظلا سنوات طويلة يعيشان بلا مشاعر تحت سقف واحد، وهكذا جسدت المخرجة التونسية الشابة هند بو جمعة بمنتهى الشاعرية حالة فقدان الرومانسية في الحياة الزوجية، من خلال فيلمها "وتزوج روميو وجوليت" الحاصل على جائزة أفضل فيلم روائي قصير، والذي صورت فيه المخرجة ظلال الحب الباهتة التي تختفي عندما يستسلم هذا الحب لإدارة الوقت، ويحول كل ما كان جميلًا إلى عبء نفسي مرهق، مع اعتماد الرجل في مجتمعنا العربي على الزوجة في كل شيء داخل البيت، ليتحول الحلم بالخلاص الأمل منتظر.
فرقة العميان والحنين للماضي
جسد فيلم "جوقة العميان" المخرج المغربي محمد مفتكر الواقع السياسي المرير والوضع الاجتماعي الصعب الذي عاشه الشعب المغربي في سبعينيات القرن الماضي من خلال دراما كوميدية إنسانية شديدة التميز على مستوى الصورة والبناء الدرامي، عكست الحنين للماضي بتفاصيله وطقوسه وملامحه، والأوضاع الاجتماعية والقضايا السياسية الشائكة بلا خطابة أو مبالغات أو محاكمات، ورصد الفيلم ملامح سنوات الرصاص التي ما زالت محفورة في الذاكرة المغربية بكل ما تحمل من مرارة وأوجاع ومآسٍ، وما تخللها من ممارسات قمعية شديدة غير إنسانية.
وكان من المفترض أن يكون هذا الفيلم تجربة المخرج الأولى في عالم الفيلم الروائي، ولكنه فضل أن يبدأ بفيلمه الأول "البراق" الذي نال جوائز دولية عديدة، ويعد فيلم "جوقة العميان" سيرة ذاتية للمخرج، ونوستالجيا أو حنين للزمن الماضي يستعرض فيه رحلة صعود أحلام أبطاله للقمة، ثم استيقاظهم على وقع ارتطام مؤلم لتلك الأحلام.
ويروي المخرج تجربته الشخصية بعيون طفل صغير، ويصور علاقته مع والده الذي كان يعمل منظمًا للحفلات، وتوفي قبل أن يبلغ عامه الأربعين وتركه وعمره 11 عامًا، ويطرح الفيلم كثيرًا من القضايا والتابوهات دون مبالغة أو خطابة، ويتناول بذكاء شديد العديد من الموضوعات الشائكة برؤية إنساني عميقة وأسلوب كوميدي ساخر، وقد لعبت الموسيقي دورًا كبيرًا في إضافة بعد جمالي وسحر كبير للصورة.
وتدور القصة حول فرقة موسيقى شعبية تتخفى أحيانًا كثيرة خلف النظارات السوداء لتتمكن من العمل في بيوت العائلات المغربية المتحفظة، ويتناول السياق الدرامي مجموعة من العلاقات الإنسانية والمشاعر العاطفية التي تجمع والد الطفل وعائلته بأفراد الفرقة التي يقودها، واستطاع مخرج الفيلم الحاصل على جائزة "الأسد الذهبي" أن يدير الممثلين باقتدار، وبدا ذلك واضحًا في أداء الطفل "إلياس الجيهاني" الذي يعد البطل الحقيقي للعمل، ووقف بثبات وقوة أمام نجوم المغرب الكبار.
الحاضر الغائب
ظل النجم الكبير نور الشريف الحاضر الغائب في مهرجان وهران السينمائي، واستطاع أن يحصل على أكبر تتويج من جمهور المهرجان الذي تسابق على حضور فيلمه "بتوقيت القاهرة" الذي حقق أعلى مشاهدة وإقبال على مدى أيام المهرجان العشرة، وكان دوي التصفيق وصيحات الفرحة تتويجًا لجائزة "الأسد الذهبي" الذي حصل عليها النجم المصري بجدارة عن أدائه المدهش في الفيلم الذي منحته لجنة التحكيم أيضًا جائزة السيناريو، كما حصلت الفنانة السورية صباح الجزائري على جائزة التمثيل النسائية عن فيلم المخرج باسل الخطيب "الأم" الذي اختلفت حوله الآراء بسبب أسلوبه المباشر ولغته التي حملت جانبًا دعائيًا.
وللحديث بقية ..