الأخلاق في الإسلام (1)
يجب ألا يقف التعليم الدينى عند حشو الأدمغة بالمعلومات التاريخية والمرويات والمأثورات والمقولات والأحكام، كما نرى الآن فى الغالب الأعم، إنما يكون من الضرورى أن يسوق كل هذا لخدمة التربية الأخلاقية، كى تظفر مجتمعاتنا بأفراد قد تأدبوا وتهذبوا وحازوا الفضائل والقيم الإيجابية، التى تسهم فى صناعة التقدم، وتحسين أحوالنا وظروف عيشنا التى تردت إلى مستوى مفزع ومخز فى آن.
فالسلوك هو الذى يحدد شخصية الإنسان أمام من يتعاملون معه، وليس فقط أفكاره المضمرة، ولا ما يتفوه به عما يستقر داخله من تصورات وقيم أخلاقية واتجاهات متعددة، فالحكم على شخص أو الوصول إلى وصف عام لشخصيته، قوى أم ضعيف، مندفع أم رزين، شجاع أم جبان، متزن أم مضطرب، يعتمد على تقديرنا لسلوكه، وفهم ما فيه من جوانب دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ونفسية، ثم إدراك علاقة التوازن بين الفرد والمجتمع، والمصلحة الخاصة والعامة، على اعتبار أن غاية تربية الفرد، هى بناء المجتمع السليم.
ولذا فإن إنتاج السلوك الإيجابى هو غاية الأديان وكثير من الفلسفات والنظريات والأفكار البناءة، ولذا ظل مسألة تشغل العلماء فى مشارق الأرض ومغاربها، فأدخلوا تصرفات البشر إلى المعامل والمختبرات، بغية التحكم فيها، وضبط ردود الفعل عليها، والتنبؤ بها، بما يواكب حركة تقدم المجتمع البشرى وتطوره الذى يمضى بلا هوادة، وكذلك بما يصنع صورة عامة لأى أمة تجعل من الممكن اكتشاف القيمة الأكثر تمثيلاً لها، مثلما فعل أندريه سيجفريد فى كتابه «سيكولوجية الشعوب» الذى انتهى فيه إلى وصف الألمان بـ«النظام» والإنجليز بـ«العناد» والفرنسيين بـ«البراعة» و«الأمريكان بـ«الديناميكية» والروس بـ«التصوف».
وبوسعى فى هذا المقام أن أطرح الأفكار المدنية حول التربية الأخلاقية بشقيها القائمين على القيم الأخلاقية والالتزام الأخلاقى، والتى تنبنى على منظومة قيم أساسية مثل الاستحقاق والجدارة، والإنجاز والاحترام والتعاون أو التبادل والعمل الجماعى والحرية والعدل والمساواة والتسامح، لكن من نخاطبهم، وهم المختصون بالعلوم الدينية والوعاظ والدعاة، سيتعاملون بحذر، إن لم يكن برفض، مع هذا المسلك، وسيحيلون دوماً إلى ما لديهم، على اعتبار أنه يكفيهم. ولذا فإنى أحاججهم هنا بما يألفونه، ويتحمسون له، لكنهم يهملونه إهمالاً جارحاً وبارحاً، فربما تكون هذه طريقة أجدى فى الإقناع المبدئى، الذى يجب أن يتبعه نقاش حول ما تتطلبه قضية الأخلاق من توسيع دائرة فهمها، وربطها بمقتضيات عصرنا، والانفتاح على أى عطاءات أو إسهامات عنها وحولها.
وهنا أقول ابتداء إنه من باب أولى أن يهتم القائمون على التعليم الدينى الإسلامى فى توظيف ما أتاحه لهم الدين من تعاليم فى التربية الإيمانية والعقلية والجسدية للإنسان لصقل سلوكه ليكون حسناً، ممتثلين للأقوال المنسوبة إلى الرسول (عليه الصلاة والسلام)، والمتوافقة مع القرآن الكريم:
«أكمل المؤمنين أحسنهم خلقاً».
«إن من أحبكم إلىّ وأقربكم منى مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً».
«إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم».
«ما من شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذىء».
وحين سئل (عليه الصلاة والسلام) فى أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: «تقوى الله وحسن الخلق».
ويجب أيضاً الامتثال لكل عطاء القرآن الكريم الذى يصف الرسول قائلاً: «وإنك لعلى خلق عظيم» (القلم: 4)، فى تهذيب جوانب السلوك الإنسانى كافة، بدءاً بعلاقته الخاصة مع ربه حتى اتساقه مع نفسه، مروراً بعلاقته مع والديه وزوجته وأبنائه وأقربائه وذوى رحمه وجيرانه وأصدقائه ومجتمعه، بما يسهم فى تكوين «الإنسان الأصلح» الذى يرتقى فى إنسانيته حتى يصير، فى رأى أبوبكر الجزائرى فى كتابه «منهاج المسلم» شخصاً «كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً، وصولاً، وقوراً، صبوراً، شكوراً، رضياً، حليماً، وفياً، عفيفاًً، ولا لعاناً، ولا سباباً، ولا نماماً، ولا مغتاباً، ولا عجولاً، ولا حقوداً، ولا بخيلاً، ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً، يحب فى الله، ويبغض فى الله».
ونكمل غداً إن شاء الله تعالى.