الأميرة رشا يسري تكتب: العلمين تبدّل ملابسها وتخطف أنظار العالم من جديد

من ميناء رومانى قديم إلى ساحة لمعركة تاريخية، لا تزال مدينة العلمين التى كانت فى الأصل ميناءً رئيسياً لحركة التجارة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا خلال عهد الرومان، ثم برزت لاحقاً كموقع لإحدى أهم معارك الحرب العالمية الثانية. قادرة على تبديل ملابسها من جديد، لتُصبح واحدة من أهم مدن الجيل الرابع الصاعدة فى مصر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بعد إحيائها كمركز حضرى مصرى متطور يحاكى تاريخ المدينة العريق.

قبل أن تصبح مدينة العلمين ساحة لمعركة تاريخية فى الحرب العالمية الثانية، كانت مدينة صغيرة تقع على الساحل الشمالى لمصر عندما كانت ميناءً رئيسياً يربط البضائع بأوروبا وآسيا الصغرى مع أفريقيا.

وقد تميّزت المدينة بصناعات متعدّدة مثل صناعة الفخار، كما كانت مركزاً زراعياً غنياً، يطعم الخير للجميع.

تقع العلمين على الساحل الشمالى الغربى لمصر، وهو طريق تاريخى سلكه الإسكندر الأكبر إلى معبد الإله آمون فى سيوة، كما كان درباً للحجاج القادمين من شمال أفريقيا إلى مكة.

وأسهم موقعها الجغرافى فى أن يلعب دوراً حاسماً فى انتصار القوات البريطانية فى معركة العلمين الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية.

المدينة تحتوى أيضاً على آثار يونانية رومانية، بما فى ذلك جبانة وحى سكنى وحمام رومانى فى منطقة مارينا.

وقد أطلقت وزارة الآثار المصرية مشروعاً لترميم هذه المواقع لفتحها للسياح المصريين والعرب والأجانب من جديد، مما يضيف بُعداً ثقافياً وتاريخياً إلى المدينة التى أصبحت هدفاً للبحث على «جوجل» بفضل مهرجان العلمين الثقافى الذى تصدح أصواته الآن فى آذان الكثيرين.

فى الآونة الأخيرة، أعلنت وزارة الآثار اكتشاف بقايا سفينة غارقة فى العلمين تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، مما يُبرز دور المدينة كميناء رئيسى خلال تلك الفترة.

وتشير الاكتشافات الأثرية إلى أن المنطقة ربّما تحتوى على مزيد من الكنوز الأثرية، بما فى ذلك سفن تعود لفترة الحرب العالمية الثانية، مما يعزّز جاذبية العلمين كوجهة سياحية، وثقافية وتنويرية من جديد.

بقيت العلمين هادئة مستريحة فوق رمال الصمت على شاطئ «المتوسط» الساحرة لعقود، ثم مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تغيّرت الأوضاع بشكل جذرى فى العلمين.

إذ أصبحت مركزاً استراتيجياً مهماً، نظراً لموقعها الجغرافى، حيث كانت القوات البريطانية والقوات الألمانية بقيادة المشير الألمانى إروين روميل تتصارعان للسيطرة على شمال أفريقيا.

كانت معركة العلمين الثانية فى أكتوبر 1942 واحدة من أهم المعارك فى الحرب العالمية الثانية، التى شهدت تحولاً كبيراً فى مسار الحرب لصالح قوات الحلفاء.

وتُظهر الأرشيفات من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا مدى الاستعدادات والتخطيطات التى وضعتها القوات الحربية المتصارعة للسيطرة على العلمين.

الوثائق العسكرية تُظهر تكتيكات مختلفة، منها استخدام الألغام المضادة للدبابات والتحصينات الميدانية، مما يُبرز أهمية العلمين كخط دفاع حاسم فى شمال أفريقيا.

مع تحول العلمين إلى ساحة معركة كبرى، واجهت المدينة وسكانها مخاطر كثيرة.

من أبرز هذه المخاطر كانت الألغام الأرضية المنتشرة بشكل واسع فى المنطقة، والتى تشكل تهديداً دائماً حتى بعد انتهاء الحرب.

لقد تأثرت البنية التحتية للمدينة بشكل كبير نتيجة للمعارك والقصف، مما أدى إلى دمار واسع النطاق.

لم تقتصر الآثار السلبية على الدمار المادى فقط، بل امتدت لتشمل الجانب الاجتماعى والاقتصادى، فمع رحيل الكثير من السكان الأصليين بحثاً عن الأمان، أصبحت العلمين مدينة مهجورة تقريباً، كما تأثّرت الأنشطة الاقتصادية، حيث توقّفت حركة التجارة والسياحة، مما أثر بشكل كبير على دخل السكان المحليين.

اليوم، تنفض العلمين غبارها القديم، لتزيل التراب من وجهها، فتعود إلى سحرها القديم، مطرزة بآثارها من تلك الفترة المشرقة أو المظلمة من تاريخها.

مع تحول بعض مواقع المعارك إلى متاحف ومزارات سياحية، تُذكّر الزوار بالتضحيات التى قدّمها الأطراف المتحاربون على هذه البقعة الساحرة من أرض مصر.

لا تزال مدينة العلمين قادرة على الاحتفاظ بصورتها كرمز للصمود والتحول، فى روعة تاريخية تحاكى قدرتها على الإبهار، وهى تبدى مفاتنها من مدينة ساحلية هادئة إلى ساحة معركة شرسة، ثم إلى موقع تاريخى مهم، وإلى مركز ثقافى وترفيهى وسياحى فريد.

مهرجان العلمين الثقافى، الذى انطلق هذا العام فى نسخته الثانية، يُعد من أبرز الأحداث الثقافية فى مصر والشرق الأوسط وأفريقيا، يمثل الآن منصة شاملة للفنون والثقافة والترفيه والسياحة، يجمع المهرجان بين الفعاليات الموسيقية والفنية والمسرحية، بالإضافة إلى الأنشطة الثقافية الأخرى، مما يعكس التنوع الثقافى والفنى الغنى لمصر.

إضافة إلى الفعاليات الفنية، يهدف المهرجان إلى تعزيز السياحة الثقافية فى مدينة العلمين الجديدة، وتسليط الضوء على الإمكانيات الاستثمارية فى المنطقة.

كما يوفّر المهرجان منصة لتقديم مكانة مصر الثقافية وإبرازها، مما يجعله حدثاً مهماً لدعم صناعة الفن والترفيه فى مصر.

يسهم المهرجان فى خلق فرص عمل جديدة وزيادة النشاط الاقتصادى، من خلال جذب مليون زائر من مختلف أنحاء الوطن العربى، مما يُعزّز مكانة العلمين كوجهة سياحية وثقافية رائدة.