معضلة الرئيس السيسى!

معضلة الرئيس السيسى التى تبدو عصية على الحل، وإن كانت أيضاً عصية على الفهم، هى أن الرئيس السيسى وجد نفسه كأبطال الملاحم الإغريقية أمام «قدر» لا مفر منه، لم يختره ولم يبحث عنه، ولكن كان عليه -فى مواجهة الطاغوت القادم من العصور الوسطى- أن يحمل «قدره» كصخرة سيزيف فوق كتفيه ويصعد بها قمة الجبل، لو قلنا بغير ذلك لخالت علينا كذبة الإخوان بأن الرئيس السيسى ليس إلا «كولونيل» أو «بريجادير» من ذوى «الكابات الخضراء» قاد انقلاباً عسكرياً على غرار الانقلابات العسكرية فى «المحميات» الأمريكية السابقة فى أمريكا اللاتينية أو فى دولة أفريقية حديثة العهد بالاستقلال، وهى الصور النمطية للانقلابات العسكرية التى روجت لها دعاية الإخوان وحلفائهم فى الداخل والخارج، فى أعقاب الثورة الشعبية التى اقتلعت جذورها فى 30 يونيو 2013، وكان «قدر» الرئيس السيسى أن ينحاز لها وأن يحميها، وأن يفك العزلة الدولية المفروضة حولها، لكن معضلة الرئيس أنه بعد ثورتين عارمتين، وجد نفسه يقود نظاماً حائراً بين «أهداف ثورية» مشروعة لا تقبل التأجيل، تختزلها تطلعات مستحقة وطموحات بغير أفق وسقوف آمال مفتوحة، و«وسائل غير ثورية»، رجال وقواعد حكم عتيقة ونظم إدارة بيروقراطية فاسدة موروثة، وثقافة مجتمعية غير مواتية قاصرة عن التغيير وأيد مغلولة بقيود إقليمية ودولية معقدة، ربما كان السؤال الأول الذى يفرض نفسه على الرئيس هو كيف يختار رجاله؟ ومن أى منابع للخبرة يأتون بهم؟ والرئيس ليس لديه «حساب مصرفى» للائتمان السياسى «يسحب» من «رصيده» وزراءه ومحافظيه ورجالات حكمه. لقد قضى الرئيس معظم عامه الأول يبحث عن محافظين، وعندما تمخض جبل البحث وَلَّد «الموظفين الجدد» الذين اشتهروا بالمحافظين الجدد، ربما تيمناً بأسميائهم «المحافظين الجدد الأمريكيين» ذائعى الصيت! والمقارنة غير مقصودة! ليس لدى الرئيس السيسى حكومة «سياسية» فى قامة الثورة التى حملته على جناحيها إلى حكم مصر، وإلا لما تنكر وزير خرج من الحكومة قبل أيام للثورة التى رفعته إلى سدة الوزارة، وخان أهدافها فى الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية عندما طعن فى الجدارة الاجتماعية لأبناء العاملين ببعض المهن ولياقتهم لولاية القضاء! ومن غير حكومة سياسية تصبح الدولة مهددة بالاختراق، وبعض ثقوب الاختراق باتت لا تخطئها العين! كل ما لدى الرئيس حكومة «وكلاء وزارات ميدانيين» أو حكومة تصريف أعمال، مثابرة ودوؤبة وطاهرة الثوب، ولكن ليس لديها «خطاب سياسى» يسد «فجوات» الآمال المحبطة لدى الشباب، ويأخذهم مع الرئيس، بدلاً من أن يتركوا الرئيس وحده فى الحرب الضارية ضد الإرهاب، يواجه بمفرده تركة موروثة من الفساد والقهر والظلم الاجتماعى والانهيار شبه الكامل لنظم بأكملها كالتعليم والصحة والمرافق العامة. وعندما يغيب خطاب سياسى مؤازر تتبناه حكومة ذات خيال خصب ورؤية سياسية نافذة، فإن خيار الرئيس الذى لا بد منه هو «تبريد» الحالة الثورية، «وترشيد» انفلاتها، و«تبرير» أولوياتها الجديدة والإقناع بها. أليس الرئيس فى حاجة -فى هذه المرحلة- إلى وزارة للإعلام؟! ومن ذا الذى ربط بين الديمقراطية وإلغاء هذه الوزارة فى ظروف بلد يخوض حرباً مفتوحة ضد الإرهاب، ويواجه قائمة من المطالب الثورية معروف أولها وغير معروف آخرها؟! ليس لدى الرئيس حكومة ثورية، فالثورة ولِّدت بغير رأس، وتحركت تحت ضغط الكتلة التاريخية الحرجة حركة عفوية تلقائية بغير تنظيم يقودها ويضبط إيقاعها، ولكن كان من الممكن أن تكون لدى الرئيس «حكومة سياسية»، بل وما زالت لديه هذه الفرصة، والأحزاب القديمة والجديدة والتيارات السياسية غير المنظمة حزبياً مخزون لا ينضب للخبرات السياسية المتراكمة المتمرسة بفنون الحكم والإدارة، وإذا كان بعضهم محسوباً على النظام القديم أو استعان بهم فى بعض مراحله، فإن كل قديم ليس بالضرورة فاسداً أو خائناً، وليس عيباً -فى المراحل الانتقالية- أن يستخدم النظام الجديد رموزاً من النظام القديم، من المعروفين بكفاءتهم وولائهم للثوابت الوطنية، وهم عادة رموز عابرة للأنظمة وعابرة للحكام، كان محمود فوزى وزيراً للخارجية من العهد الملكى القديم الذى أسقطته ثورة 23 يوليو 1952، وظل وزيراً للخارجية فى سنوات الثورة الأولى، وأدار باقتدار وكفاءة معارك الثورة الخارجية ضد الأحلاف السياسية، ومعركة تأمين قناة السويس والحرب ضد الغزو الثلاثى فى 1956، وفى فرنسا كان نابليون بونابرت يستخدم وزراء من بقايا «آل البوربون» الذين حكموا فرنسا قبل ثورتها الكبرى فى 1789، وظل «تاليران» أحد رموز العهد الملكى السابق وزيراً لخارجيته، ورفيقه فى كل حروبه وفتوحاته فى شرق أوروبا! يخطئ من يظن أن تكون تلك الأمثلة محاولة لتبييض ثوب الفلول أو تبرئة ساحتهم، أو دعوة لإعادتهم إلى صدر مشهد غابوا عنه، ولا ينبغى أن يعودوا، كنت فقط أتحدث عن «استثناءات» فى التاريخ قابلة للتجريب والاستلهام. لقد قضى الرئيس عاماً صعباً تركناه فيه وحده إلا من ظهير شعبى بات هو الآخر مهدداً بالتحريض والاختراق. كان من الممكن أن يكون عاماً أوفر حصاداً، لو كانت الأهداف الثورية تطاولها وسائل ثورية.