نبني مدرسة ولا تليفزيون؟.. درس من عبدالناصر

كتب: سيد المليجي

نبني مدرسة ولا تليفزيون؟.. درس من عبدالناصر

نبني مدرسة ولا تليفزيون؟.. درس من عبدالناصر

 قبل 64 عاما بالضبط انطلق البث الرسمي للتلفزيون العربي «ماسبيرو»، وكانت الأجواء التي تعيشها الدولة المصرية وقتها كفيلة باعتبار هذا الحدث نوعا من العبث، أو إهدارا لموارد الدولة، أو بالبلدي (الناس بتعاني وبدل ما نبني مصانع ومدارس.. نروح نصرف الفلوس على مشروع علشان يقولوا عملنا أول تلفزيون في الشرق الأوسط، هم عايزين يشغلوا الناس عن حقوقها).

لا تصدق أن هذا المشروع كان يحظى في وقته بالإجماع أو الاقتناع بأهمية وتأثير الإعلام، بل إن عبدالناصر ووزراء حكومته وقتها كانوا يتخوفون من المشروع، وبعضهم قالها صراحة إن «بناء مدرسة أو مصنع أفضل من إهدار الفلوس في بناء تلفزيون»، وهو كلام مدون في محاضر اجتماعات حكومات ثورة 23 يوليو، وضمن مذكرات الدكتور عبدالقادر حاتم وزير الإعلام «الإرشاد القومي وقتها»، وجميعها محفوظة ضمن الأرشيف الإلكتروني لمكتبة الإسكندرية.

دعونا نتوقف قليلا أمام حلم إنشاء التلفزيون المصري، الفكرة التي راودت الباحثين عن الوجاهة أو الريادة أو تمرير صفقة استثمار أجنبي يميل إليها وزراء في أواخر عهد الملك فاروق، وتحديدا في عام 1951، وهو العام الذي جرى خلاله الحديث عن صفقة فرنسية لإنشاء محطة محدودة للبث الإذاعي والتلفزيوني في مصر، لكن الصفقة تبخرت عقب ثورة 23 يوليو، ليعود الحديث عن التلفزيون المصري بعد عامين من خلال مشروع تقدم به وزير الإرشاد القومي وقتها، الصاغ صلاح سالم، إلى الرئيس جمال عبد الناصر، لإنشاء إذاعة جديدة ومحطة تلفزيونية فوق جبل المقطم، لكن المشروع ظل حبيس الأدراج لما يقارب 5 سنوات.

أسباب تعطل مشروع التلفزيون المصري كانت كثيرة ومتشابكة، لكن جانبا مهما منها دونه الدكتور عبد القاد حاتم، وزير الإعلام في عهد عبد الناصر عبر صفحات مذكراته التي حررها الكاتب الصحفي إبراهيم عبدالعزيز، وطبعتها هيئة قصور الثقافة، وجاء فيها «كان لدي إصرارا على تحقيق حلم صديق العمر جمال عبد الناصر بإنشاء التليفزيون بغرض تعليم الشعب وتثقيفه ومحو أميته، وفي البداية لم يوافق الرئيس عبد الناصر، فقد كانت قضايا التنمية والتحديات الخارجية تشغله، وليس في ميزانية الدولة فائض لإنشاء جهاز التليفزيون، لكنه حينما وجدني حزينا لعدم تحمسه لتنفيذ المشروع، طلب مني عرض رأيي في اجتماع مجلس الوزراء، ليكون المجلس هو صاحب القرار، ورغم الاعتراضات التي واجهتني إلا أنني اعتبرتها وجهات نظر ترغب ألا يكون للتليفزيون أي آثار سلبية على وزاراتهم وأنشطتهم».

حرص الدكتور عبدالقادر حاتم على أن تحوي مذكراته آراء الوزراء في مشروع التلفزيون، وجاءت كالتالي «تحدث وزير الزراعة في ذلك الوقت قائلا: أرفض تماما إنشاء مبنى التليفزيون، لأن الفلاح المصري لو انشغل بالسهر ومشاهدة البرامج التليفزيونية، فمن المؤكد أنه لن يذهب في الصباح الباكر لري أرضه، والعمل بجهد وإخلاص في خدمة الأرض التي يقوم بزراعتها».

ويضيف «ثم تحدثت مع وزير الصناعة، وقال إنه من المستحيل تلبية مطالب إنشاء هذا المشروع الضخم، لأن مصانعنا ليست مؤهلة لذلك، ثم تحدث وزير التعليم وقال إنه في حاجة لأي دعم مادي لبناء مدرستين لتعليم أبناء الطبقة الفقيرة، وأنه أفضل من بناء مبنى للتليفزيون، وكان آخر المتحدثين هو الدكتور عبد المنعم القيسوني وزير الاقتصاد، الذي أيد إنشاء مبنى التليفزيون، وقال إنه سينقل مصر إلى مصاف الدول المتقدمة التي تتمتع بوسائل إعلام متطورة، وهنا تدخل الرئيس عبد الناصر ليعلن موافقته على تنفيذ المشروع، ووضع جدولا زمنيا لبناء المبنى، وصدق الدكتور القيسوني على توفير الدعم المالي لإنشاء المشروع، الذي بدأ بتمويل بلغ 200 ألف جنيه».

حقيقة أخرى يجب أن نتوقف أمامها قبل أن نستحضر تاريخ مبني ماسبيرو، الذي نعتبره من أيقونات ثورة يوليو، بفضل ما منحه للدولة المصرية من قوة ناعمة نتغني بها إلى اليوم، وهي حقيقة تاريخية مفادها أننا لسنا أصحاب أول مشروع بث تلفزيوني في الوطن العربي والشرق الأوسط، لأن تليفزيون العراق كان أول تلفزيون عربي بدأ إرساله عام 1954، بعدها جاء التلفزيون الجزائري في نهاية ديسمبر 1956 خلال الفترة الاستعمارية، التي أقامت مصلحة بث محدودة الإرسال، واقتصر بثها على المدن الكبرى للجزائر، وفي لبنان وضع حجر الأساس لمبنى التلفزيون الرسمي في عام 1957، لكن إنجاز المشروع تأخر ليبدأ البث في مايو 1959.

لم تكن مصر صاحبة ضربة البداية في بث التلفزيون العربي، لكنها كانت صاحبة التجربة التي حققت معجزات إعلامية في وقت قياسي، وأول دولة في الوطن العربي والشرق الأوسط تتحول أدواتها الإعلامية إلى قوة ناعمة حقيقية تتواري أمامها كل التجارب، لأنها تتمتع بالإمكانات، وحققت التأثير المطلوب بشكل تجاوز محيطها العربي والقاري ليصل إلى الدول العظمى.