مصطفى الكيلاني يكتب: مهرجان العلمين.. كيف نبني صناعة ثقافية وفنية؟

مصطفى الكيلاني يكتب: مهرجان العلمين.. كيف نبني صناعة ثقافية وفنية؟
هل من الممكن أن يُقام مهرجان العلمين وتُصرف كل تلك الملايين فى ظل أزمة اقتصادية طاحنة؟! هذا السؤال للأسف استوردته السوشيال ميديا من شعوب أخرى، أدمنت ثقافة الجوع، وفقدت نخبتها أى منطق أو عقل.
لكننا طوال الوقت كنا البلد الذى يقدّم فنه للعالم ويصرف عليه بمقاييس اليوم مليارات الدولارات، ولكننا فى المقابل كسبنا منه عشرات المليارات من الدولارات.
الفن بالأساس صناعة، وكذلك الترفيه فى العالم كله يعتبر صناعة ربحية بالأساس، فرنسا مثلاً تربح سنوياً أكثر من 40 مليار دولار من الصناعات الثقافية ككل، وهو رقم أعلى من ميزانيات عدة دول، وهو أيضاً ما نطمح إليه، ونتمنى أن نشاهد دائماً الفن والثقافة كصناعة ربحية يجب أن تصرف عليها لكى تقدّم لك عائدات أضعاف ما صرفته.
وهنا يجب أن نُحدّد ما هو المربح فى مهرجان العلمين، فنحن كنا فى عز أزمة انقطاع كهرباء، وإصلاح اقتصادى ما زال يضغط على المواطنين، فلماذا العلمين؟ هل هى رغبة فى استفزاز الناس؟ أم أن ذلك المهرجان لديه بعد اقتصادى من المفترض أن يكون ذا قيمة؟
مدينة العلمين الجديدة حتى الآن لم يُنفّذ فيها إلا أقل من 20% من خطة تعميرها، ولكنها تجذب استثمارات يجب أن تعلن عنها، وتجعل وسائل الإعلام العربية والأجنبية تقدّم دعاية مجانية لها، وهذا ما حدث فى مهرجان العلمين بدورتيه الأولى والثانية، قدّمت للمستثمر العربى والأجنبى مدينة رائعة على ساحل البحر المتوسط، بها كل الخدمات، وقادرة على التوسّع، وأصحبت وِجهة سياحية مهمة بعد بدء المهرجان، وكذلك تحولت إلى قِبلة كبار الفنانين العرب، وهو ما شاهدنا نتائجه منذ الدورة الأولى، حينما وجدنا أن عدد الزوار العرب للعلمين قد تجاوز المصريين فى بعض الأيام، وهنا أيضاً لنا وقفة مهمة.
ما الذى حصلنا عليه من زوار العلمين؟ ما استفادة المواطن البسيط من مهرجان العلمين؟
تلك الأسئلة التى تطرحها السوشيال ميديا خلال تلك الأيام، وهى لا تعى أن السائح العربى أو الأجنبى منذ نزوله من طائرته وحتى عودته إلى المطار، أى دولار يتم صرفه فى البلد هو مكسب للجميع، مكسب لسائق أوبر، ولنادل المطعم، ولصاحب عربة «الحنطور»، ولصانع حدوة حصانه، هناك مكاسب مباشرة، بدءاً من تذاكر الحفلات وحتى صاحب الكشك الموجود على الطريق، ومكاسب عدة غير مباشرة متصلة بالترويج للعلمين، وفتح أبواب جديدة لضخ استثمارات متعدّدة، سواء فى الترفيه أو الخدمات داخل الساحل الشمالى كله.
الغريب أن دولة مثل مصر تركت صناعاتها الثقافية لسنوات نهباً للغير، وتحولت الثقافة إلى عبء على الحكومة، وكأن ذلك التاريخ الضارب فى القدم، الذى يحمله كل فنان على كتفيه، لا يشفع له أن يستفيد من فنه بشكل يتوافق مع جمال وعبقرية ذلك الفن، هناك شعوب تُحقق مليارات الدولارات من الصناعات التقليدية والتراثية فقط، ونحن نشترى نماذج المنحوتات المصرية القديمة التى تملأ بازارات خان الخليلى من الصين!
العقم الذى أصاب فكر المصريين لسنوات يجب أن يتغير، وأن تتحول الثقافة إلى صناعة مهمة، وأن تتحول كل الفنون إلى مورد مهم للاقتصاد المصرى، ولكن أولاً يجب الصرف جيداً على تحويلها إلى صناعة، وهو ما يحدث الآن فى العلمين، وهو الفعل الأهم لوزارة الثقافة منذ سنوات، فهناك عمل يومى لفِرق الفنون والموسيقى، وكذلك الصناعات التراثية، وهو ما أظنه لن يتوقف عند هذا الحد.
قد يكون مهرجان العلمين بداية مهمة لفتح الطريق أمام الاستفادة الحقيقية من الثقافة والفنون، وقد تعقبه خطوات أهم فى تفعيل شركة الصناعات الثقافية التابعة للوزارة، وقد يحدث مثلاً أن نجد تخلياً عن البيروقراطية فى التعامل مع الفن، واستيعاب أن كل عمل فنى من أول منحوتة صنعها فنان شاب، أو الفيلم القصير قد لا يقدم للوزارة عائداً مالياً، لكنه قد يربح جائزة تفتح لفنك وصناعته آفاقاً جديدة.
مهرجان مثل العلمين قد يقدم لنا أكبر خدمة، كمهتمين بالعمل الثقافى، وهو أن يعيد إلى ذلك البلد بريقه الفنى، ويستعيد بعض شعبه قدرته على تذوق الفن وتقديره، وأن نستطيع معاً الوصول إلى منطقة آمنة اقتصادياً، فلن تجد بلداً واحداً فى العالم متقدّم مالياً ولديه اقتصاد حقيقى وليس ريعياً، إلا وفنه عابر للقارات، والأمثلة على ذلك كثيرة، وليس عليك سوى أن تفتح أى منصة مشاهدة لترى الأعمال الكورية والصينية والأمريكية وغيرها تملأ تلك المنصات