قراءة مبدئية فى زيارة الرئيس إلى ألمانيا
بعيداً عن العواطف والشحن المعنوى، هناك نتائج كثيرة تحققت من زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى الأخيرة إلى برلين، وقد كنت أحد المتحفظين والقلقين من تلك الزيارة، لأسباب كثيرة أهمها الموقف الرسمى الألمانى من مصر بعد 30 يونيو 2013، وكذلك تمركز عدد كبير من الإخوان فى ألمانيا، ويساعدهم فى ذلك وجود نحو 4 ملايين تركى استوطنوا مدن ألمانيا على مدار العقود الماضية، وبينهم عدد كبير من المتعاطفين مع التيار الإخوانى، وهو ما قد يؤدى لمناخ متوتر للزيارة.
غير أن المتابعة الدقيقة للزيارة كشفت عن أن أهم عنصر لنجاح أى علاقة بين دولتين هو المصالح المشتركة، وهذه المصالح تكون اقتصادية فى المقام الأول، وقد نجحت مصر فى عقد اتفاقات مع شركات ألمانية كبرى بأرقام ضخمة، أهمها الاتفاق مع شركة«سيمنز»، وهذا يعنى ببساطة أن الاقتصاد هو الذى يسيطر على السياسة، وليس العكس، فحينما وقع الرئيس الأمريكى قراراً فى التسعينات مثلاً لفرض عقوبات على الشركات المتعاملة مع إيران لم يستطع تنفيذه، وهو الأمر نفسه الذى تكرر فى زيارة الرئيس السيسى لألمانيا، فرغم أن هناك نقاطاً خلافية سياسية حسبما كانت المستشارة أنجيلا ميركل تؤكد فى المؤتمر الصحفى المشترك أمس الأول، فإن العلاقات الاقتصادية لعبت الدور الأكبر، بل إن رئيس البوندستاج الألمانى الذى أطلق تصريحاً مسيئاً يعلق فيه رفض استقبال الرئيس السيسى احتجاجاً على أحكام الإعدام، تراجع أثناء الزيارة وقال إنه يجب التعامل مع مصر لأنها دولة مهمة، ومن أهم النتائج التى تحققت أن الرئيس اقتحم المشكلة، وحرك المياه الراكدة فى العلاقات المصرية - الألمانية، فإذا امتنع عن الزيارة اعتراضاً على المواقف الألمانية المتشددة من مصر واستجاب لدعوات إلغائها أو تأجيلها، فهذا سيعنى أن هذه المواقف سوف تتصاعد، وبالتالى سوف تستعصى على الحل مستقبلاً، أما الآن فقد أصبح هناك اعتراف رسمى ألمانى بشرعية نظام الحكم الحالى، وهو ما يعنى استبعاد النغمة التى كانت سائدة بأن نظام الإخوان كان هو الشرعى. وأصبح هناك اعتراف بإرادة الشعب المصرى التى عبر عنها فى 30 يونيو 2013.
والرئيس لم يخف خلال المؤتمر ما قالته أنجيلا ميركل عن أن هناك نقاط اختلاف، ولكن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تتطابق تمام الانطباق فى كل وقت وحين، فالمواقف تتبدل ووجهات النظر تتباين وتختلف. وهذا طبيعى.. وبالتالى فإن العلاقات بين الدول تقوم على نقاط الاتفاق وهى ليست قليلة فى الحالة المصرية - الألمانية، ويتم التحاور بشأن نقاط الاختلاف أو إهمالها تماماً حسب الظروف، ونقاط الاختلاف بين مصر وألمانيا تقوم أساساً على تأخير موعد الانتخابات البرلمانية، وهذه سوف تنتهى عقب إتمامها، وتقوم أيضاً على أحكام الإعدام التى تصدر فى حق الإخوان، وهذه وإن كانت شأناً مصرياً خالصاً لا يجوز التدخل فيه من قبل أى دولة أخرى، إلا أن ذلك أيضاً مرهون بخطاب إعلامى محدد المعالم موجه للدول الأوروبية يتناول جرائم الإخوان فى حق الشعب المصرى، وهى جرائم صاحبت نشأتهم وزادت مع توليهم السلطة ولا تزال جرائمهم دالة عليهم، ولا أرحب شخصياً بأى تدخل فى أحكام القضاء مهما كانت الظروف، وعلى من يتعامل معنا أن يحترم ذلك.
ومن الأمور التى يجب الإشارة لها فى الزيارة هو أن الأمن الألمانى ساعد كثيراً فى إنجاحها، ومنع الاحتكاك بين الرئيس وأنصار الإخوان الذين نظموا مظاهرات سمح لها بتوقيتات معينة. وفى هذا مغزى كبير، فمن حق الدولة أن تتدخل فى توقيتات ومسارات التظاهر، ومن حقها منعها إن تعارض ذلك مع مصالح الدولة العليا. وربما حدثت احتكاكات محدودة مع الوفد الشعبى ومن قبل أنصار الإخوان، ولكن هذا طبيعى ومحتمل وأعتقد أن أعضاء الوفد الشعبى أنفسهم كانوا يتوقعون ذلك قبل سفرهم.
حقيقة فإن الزيارة حققت نجاحاً أكثر من المتوقع.. وقد نجح الرئيس الذى أصر على إتمام الزيارة رغم التحذيرات والتخوفات فى اختراق حالة الركود فى العلاقات مع ألمانيا.. وهى الدولة الأهم والأكثر تأثيراً فى سياسات الاتحاد الأوروبى.. ولكن علينا أن ندرك أن هذا لا يعنى إطلاقاً أن العلاقات مع ألمانيا أصبحت «سمناً على عسل» ولكنها فقط بداية للعودة إلى المسار الصحيح الذى يجب أن يقوم على المصالح المشتركة، فالعلاقات بين الدول ليس فيها الجانب العاطفى كما يقيمها كثيرون فى مصر، فلا صداقة دائمة ولا عداء دائماً.