المخرجات المصريات.. بانوراما الكواليس "جيبة قصيرة على كعب عالى"

المخرجات المصريات.. بانوراما الكواليس "جيبة قصيرة على كعب عالى"
تعقد شعرها إلى الخلف.. تتحرّر من جميع مظاهرها الأنثوية، تاركة حذاءها ذا الكعب العالى بعد أن حل الحذاء الرياضى مكانه، وعطرها الآخاذ الذى استبدلته بقطرات العرق المتناثرة على جبينها.. تقف بين العاملين وسط «اللوكيشن»، يرتفع صوتها: «أكشن»، لتدير الأمر وفقاً لرؤيتها الخاصة وعينها الفنية فى أقسى الظروف وأصعبها، حين تجلس أمام الكاميرا لتشاهد وليدها الفنى يكتمل بين يديها، وأخيراً يظهر اسمها فى نهاية «التتر».
الإخراج السينمائى أو التليفزيونى مجال يراه البعض امتيازاً ذكورياً لا تستطيع السيدات اختراقه، إلا أنه خلال سنوات طويلة نجح عدد كبير من المخرجات فى أن يقتحمن هذا العالم بصعوباته وتحدياته، مما ينبئ عن وجود ظواهر فنية تستحق المنافسة فى عالم السينما والدراما التليفزيونية. رغم أن عالم الإخراج يراه البعض «عالماً ذكورياً»، فإن المخرجة كاملة أبوذكرى تختلف مع هذا التصنيف، قائلة: «الإخراج مهنة نسائية وليست رجالية، لأنها معنية بالاهتمام بالتفاصيل والمشاعر والأحاسيس، والسيدة أنجح من الرجل فى التعبير عن تلك المشاعر وقيادتها»، لم تواجه كاملة أبوذكرى صعوبة فى تقبّل الممثلين الرجال توجيهاتها أثناء العمل، موضحة: «الرجل سلس فى التعامل ويتقبّل التوجيهات بشكل كبير، لكن على الجانب الآخر الممثلة السيدة تعانى من بعض التحفّظات فى تقبل التوجيهات من سيدة أخرى».
«لا أعرف سوى أننى عندما كنت أبلغ 10 سنوات كنت أمضى على كتب المدرسة وكروت عيد الأم المخرجة كاملة أبوذكرى»، قالتها المخرجة، مؤكدة أن علاقتها بمجال الإخراج هو إحساس بدأ منذ طفولتها، لا تمتلك تفسيراً لحالتها فى حفلة المدرسة التى كانت تمتلئ بالممثلاث، حيث وجدت نفسها تنظر إلى المخرج عاطف الطيب من بعيد بإعجاب شديد.. محاولات كثيرة تعرضت لها المخرجة الشابة، بداية من والدها الذى رفض التحاقها بالمعهد العالى للسينما، إلا أنه وافق تحت ضغطها، حتى عميد المعهد الذى طلب منها أن تلتحق بقسم آخر: «قال لى حاولى تختارى شغلانة تانية، لكن بالعند فى العالم كله أنا صممت على حلمى، وكنت متأكدة إنى أقدر أحققه». وفيما يتعلق بالصعوبات التى تواجها المخرجات أثناء العمل، قالت «كاملة»: «أنا أعمل فى هذا المجال منذ كان عمرى 17 عاماً، لم أتعرض للتمييز النوعى على أساس أننى سيدة، لكن على العكس تماماً المخرج الناجح يستطيع أن يفرض احترامه ومصداقيته على فريق العمل كله، وتظل الصعوبات المتعلقة بالعمل لا تفرّق بين رجل وسيدة، لأنها مهنة مرهقة على الجانب الجسدى والنفسى، ولها ظروف خاصة بها، بداية من مواعيد العمل المتضاربة، والسفر فى أماكن بعيدة وقيادة عمل كامل».[FirstQuote]
وترى المخرجة شيرين عادل أن الإخراج كمهنة، يتطلب عدداً من العوامل يجب توافرها لدى السيدة التى تعمل فيها، أهمها أن تتمتع بشخصية قوية وقيادية تستطيع من خلالها قيادة فريق عمل كامل، بداية من الممثلين، حتى العمال والفنيين، أما المشكلة الأكبر بالنسبة لها فتتمثل فى مواعيد العمل، قائلة: «التصوير ليست له أوقات محددة، مما يتضارب مع مهامى العائلية، فى بعض الأحيان لا أستطيع مساعدة أطفالى قبل الامتحانات أو حضور حفلة لابنتى فى المدرسة، وتكون تلك اللحظات هى الأصعب بالنسبة لى». وتضيف «شيرين»: «من أقسى اللحظات التى مررت بها وجعلتنى أقف أمام نفسى وجهاً لوجه عندما تعرض فريق عمل مسلسل (دلع بنات) للاعتداء أثناء التصوير». على الجانب الآخر، ترى المخرجة رباب حسين، أن المخرج هو من يتحمّل مسئولية العمل الفنى كاملة، وهو شىء صعب فى حد ذاته، وينطوى على عدد كبير من الصعوبات والمسئوليات التى تتعارَض أحياناً مع المسئوليات العائلية، قائلة «زواجى من المخرج أحمد توفيق ساعدنى كثيراً فى حياتى، فعملت معه مساعدة مخرج، ورفضت أن أخرج من تحت عباءته لفترة طويلة، وتمسّكت بالعمل معه وقدّمنا معاً عدداً كبيراً من الأعمال المهمة، وتعلمت على يديه الالتزام والاهتمام بالعمل».
وتشير المخرجة الكبيرة إلى أن الصعوبات التى تعرّضت لها لا تتعلق بصعوبات المهنة بقدر تعلقها بمحاولة التوفيق بين المنزل والعمل: «واجهت صعوبة كبيرة فى التوفيق بين العمل وأولادى وبالتالى وضعنا أنا وزوجى خطوطاً عريضة للعمل، فكنا نقبل عملاً واحداً فى السنة ونقيم جلسات العمل فى منزلنا، والتنفيذ كان يستغرق حوالى 3 أشهر، فكنت أنتهز وقت (البريك) للذهاب إلى المنزل وأَطمئن على أولادى سريعاً، وأحاول أن أجهز كل احتياجاتهم قبل الذهاب للعمل، وساعدتنى والدتى كثيراً فى الاهتمام بهم». التعامل مع فريق عمل كبير ومع نوعيات مختلفة من العمال والممثلين كان من أهم العوامل التى أثرت على شخصية رباب حسين، فتحولت من تلك الفتاة هادئة الطباع إلى المخرجة صاحبة الرؤية وقائدة العمل: «أثناء تصوير مسلسل (قضية معالى الوزيرة) مع الفنان يوسف شعبان، كنا نخوض عدداً من المناقشات، ليقول لى فى النهاية (أنت مالك مفترية كده ليه)، ولكن يفاجأ فى النهاية بصدق وصحة ملاحظاتى». وتضيف «رباب» أن تقبُّل الممثلين الرجال للتوجيهات يتوقف على أدوات المخرج فى توجيه الفنان بطريقة سهلة يظهر من خلالها المضمون والإحساس ومدى فهمه لطبيعة الدور: «الإخراج ملكة فى التفاصيل لا تفرّق بين رجل وسيدة، لكنها تتوقف على حجم التجارب والخبرات التى يمتلكها، ومدى صدق عدسته فى اقتناص رؤية صادقة ينفذ بها بأدواته الخاصة بصدق شديد أصبح يتلاشى أمام التقنيات ومعدات التصوير الحديثة». وتقول المخرجة الشابة بتول عرفة إن المخرجات السيدات لسن ظاهرة جديدة، بل كانت موجودة منذ فترة طويلة، لكنها كانت تجارب فردية، نظراً إلى اختلاف الوقت والتحفُّظ المجتمعى الشديد آنذاك، لكن السيدات نجحن فى اقتناص فرصتهن والتركيز على مبدأ التساوى مع المخرجين الرجال، رغم صعوبة ظروف العمل التى تفرّق بين مخرج جيد وآخر سيئ.
