نور الشريف.. درس فني محترم (3 - 3)
رأينا نور الشريف فى أدوار عديدة متنوعة، فهو الفتوة المهاب، والحرفوش المنسحق، والسائق الشهم، والرجل الذى عاد لينتقم، والتاجر المزواج، والأجير المكافح، ورجل الأعمال الناجح، والعاشق الهائم، والحبيب المغدور، واللص الغادر، والفتى العايق، والصوفى الورع، والرجل الكبير الذى أتانا من بعيد فى شخصيات عمر بن عبدالعزيز وهارون الرشيد وعمرو بن العاص وابن رشد، والصعيدى المشغول بالقيم والأصالة، والمصور النابه، والأب الحنون، والمدرس الذى لا ينسى مهمته، والمربى الفاضل، ورب الأسرة العائل، والشاب المتلفت، ورجل الأعمال الفاسد، والجاسوس الخائن، والرسام الوطنى الجسور، والزوج القاتل، وتاجر المخدرات، والابن البار، ولاعب الكرة الريفى الذى لم تخطفه المدينة، والطالب المنتمى الثائر، والمهندس الحالم، والعائد المندهش، والعامل المكافح، والمقاتل المقاوم للظلم الاجتماعى، والأخرس الذى يرفض الجور، والضعيف الذى تضغط عليه الظروف فيقوى، والقوى الذى تنهكه تصاريف الحياة فيضعف.
فى كل هذه الأدوار كان نور الشريف يدرس دوره جيداً، فإن كانت الشخصية مستقاة من رواية أدبية، لم يكتفِ بحفظ نصيبه من السيناريو، إنما عاد إلى النص الروائى نفسه، يقرأه بإمعان، ليعرف كيف صوَّر الأديب الشخصية على أتم وجه ممكن، فيهضمه ويستلهمه، مدركاً للسياق الذى يحمل الوصف والحوار، ويحيط بهما، ويرسم الملامح والمعالم بشكل عميق مؤثر.
وكان نور لا يكتفى بالخبرة التى يزكيها عبر الانتقال من دور إلى آخر، إنما يعزز قدراته، على الدوام، بالقراءة المتأنية فى الكتب الأساسية حول فن التمثيل فى السينما والدراما والمسرح، والنقد الأدبى والفنى، والتى حوتها مكتبته العامرة، التى صارت مع الأيام مرجعاً لكل من يريديها من بنى مهنته ومهمته.
يقول عنه مجايلوه وتلاميذه إنه كان لا يدع وقتاً إلا وطالع فيه الكتب. يقرأ فى أوقات الراحة بين المشاهد التى يمثلها، وقبل أن يخلد إلى النوم، وفى أيام بقائه فى بيته، وخلال رحلاته المتعددة إلى مدن عديدة. وكان يحض كل من حوله على القراءة، ويمتاز عنهم بالمواظبة الشديدة عليها.
كان نور صادقاً مع نفسه، فهو كان يعلم جيداً أن هناك من بنى كاره من منحهم الله فطرة فنية بازغة، وموهبة لاذعة، يجرى التمثيل معهم هيناً ليناً، كما يسرى النسيم العليل فى ساعة قيظ، ويجرى الماء العذب فى الحلوق الظمأى، ولذا أدرك أنه لا سبيل أمامه كى يحجز لنفسه مكاناً مستقراً بين هؤلاء فى عالم التمثيل سوى أن يمسك شديداً بحبال التجديد والجودة والإجادة، باذلاً فى هذا جهداً مضنياً، كى يبقى اسمه متصدراً أفيشات الأفلام، وتترات المسلسلات، وصدارة خشبة المسرح.
لقد أدرك نور منذ أولى خطواته على الطريق أن الموهبة الكبيرة إن وجدت من صاحبها إهمالاً واستهانة وتواكلاً ضمرت، وأن الموهبة الصغيرة يمكنها أن تنمو بالتدريب والتجريب، وتُصقل بالإطلاع، وتقوى بالتنوع، وتتعزز بالإصرار والصبر والمثابرة. كان يعرف أن جُلَّ العبقرية يعتمد على بذل الجهد، وتربية الذائقة، والعمل المتواصل، بلا كلل ولا ملل، وهو المبدأ الذى كان يؤمن به نجيب محفوظ نفسه.
لم يكن نور مكتفياً بأداء أدواره كممثل، فقد كان فهمه فى الإخراج عاملاً مساعداً له ولمن حوله، وكان إقباله على إنتاج بعض الأفلام دليلاً على إخلاصه لهذا الفن، رافضاً أن يكون ككثيرين من أمثاله، يأخذون ولا يعطون، يؤجرون بسخاء لكنهم يضنون على الفن الذى صنعهم ببعض أموالهم، كى تستمر السينما فى أداء رسالتها، حين يهجم عليها الاستسهال والابتذال والسطحية.
كان نور الشريف مسكوناً برسالة الفنان، وانعكس هذا على مواقفه الاجتماعية والسياسية، فلم يسمح لسلطة أن تستخدمه بوقاً، ولا لرأسمال أن يمسخه لعبة، وكان عارفاً بأحوال مجتمعه، يدرك أن جمهور السينما الذى حمله عقوداً من الزمن على أكتافه، حين اقتطع من دخله ثمن تذكرة السينما، له فى عنقه ديون كثيرة، ولهذا انحاز إلى الناس، وعبّر عن مشكلاتهم الحياتية فى إطلالته المتلفزة، وحواراته المتعددة، وتعليقاته على الأحداث السارية الجارية.
وكان نور منتمياً لقضايا أمته، فهو آمن بقيمة مصر وقامتها، ودافع عن قضايا العرب، وخصوصاً قضيتهم المركزية «فلسطين»، وهاجم فى تصريحاته العدوان الغربى المتواصل على بلدان عربية، ورفض جور الشركات متعددة الجنسيات على مصالح البسطاء والفقراء فى بلادنا، وأدرك مرامى «الغزو الثقافى»، فنادى بالتصدى لتشيؤ الإنسان، وانجراف قيم مجتمعنا وتقاليده الأصيلة، دون أن يدعو إلى انغلاق أو جمود أو اكتفاء زائف، أو ادعاء فارغ.
وصبر نور، بسبب مواقفه هذه، على المنع والمصادرة التى تعرضت لها بعض أفلامه، والخسائر المادية التى طالته جراء هذا، وكان كبيراً فى مواجهة التشويه، ومحاولة تلويث السمعة التى لحقت به جراء أكاذيب وافتراءات وشائعات سعت إلى النيل من منزلته فى نفوس محبيه، كانت خلفها قوة ظالمة تدفعها، وأياد خبيئة تحركها، دون تحسب ولا ورع.
ظل نور الشريف واقفاً على قدميه كنخلة عفيَّة، صلباً فى مواجهة العواصف والنوائب كجدار متين، صابراً على ألم مرض السرطان اللعين حتى أجهز عليه، وخطفه من دنيانا وهو لا يزال قادراً على العطاء، كما يصبر أولو العزم من الرجال، محافظاً على أسرار حياته الخاصة على قدر الاستطاعة، كما يهش الراعى على غنمه.
فى أيامنا هذه، حيث تداعت السينما المصرية إلى قاع مظلم بغيض، وتنصّل ممثلون من رسالة الفن، وباع آخرون أسماءهم وتاريخهم الفنى بثمن بخس، وضنّ آخرون على السينما بمال طائل حصَّلوه منها، نتذكر نور الشريف بعطائه السخى، ووجهه البهى، ونقول بملء أفواهنا: «فى الليلة الظلماء يُفتقد البدر».