«السوشيال ميديا» تتغول سياسيا

يوم الجمعة الماضى، أعلنت شركة «ميتا بلاتفورمز»، التى تمتلك وتدير «فيس بوك»، و«إنستجرام»، ومنصات «تواصل اجتماعى» أخرى، أنها قرّرت رفع القيود المفروضة على حسابات دونالد ترامب، المرشح الجمهورى لانتخابات الرئاسة الأمريكية، المقرّرة فى نوفمبر المقبل.يُعدّ هذا خبراً جيداً بطبيعة الحال، سواء لأنصار المرشح المثير للجدل، أو لهؤلاء الذين يعتقدون أن الوسط الإعلامى «السوشيالى» يجب أن يمنح الفرص المتكافئة للمرشحين لتلك الانتخابات المُهمّة، التى سيتأثر بنتائجها العالم أجمع، وليس الجمهور الأمريكى فقط.

تقول «ميتا» إن «ترامب» لم يعد يخضع للعقوبات التى فرضتها عليه، حين علق على سلوك مقتحمى مبنى الكابيتول بعبارات المديح، فى مطلع عام 2021، وحين اتهمته باستخدام منصاتها من أجل إذكاء التعصب وإشاعة الكراهية والأخبار الكاذبة.

وفى تفسيرها لتلك الخطوة أكدت أنها تصب فى «تعزيز مسئوليتها عن السماح بالتعبير السياسى»، حيث تؤمن بأن «الشعب الأمريكى يجب أن يكون قادراً على الاستماع إلى المرشحين لمنصب الرئيس على أساس متكافئ».

وأوضحت أيضاً أن المرشحين لتلك الانتخابات سيبقون خاضعين لمعايير المجتمع، شأنهم فى ذلك شأن جميع مستخدمى منصاتها، بما يشمله هذا من حظر خطاب الكراهية والتحريض على العنف.

كانت «ميتا»، ومعها «إكس» («تويتر» سابقاً)، قد حظرا حسابات «ترامب» فى يناير 2021، على خلفية أحداث اقتحام الكابيتول، قبل أن يتم رفع هذا الحظر فى عام 2023، مع إبقاء سلسلة من القيود عليه، وهو القرار الذى لم يلقَّ ترحيباً من «ترامب» وأنصاره، خصوصاً بعدما نقل أنشطته الاتصالية إلى منصته «تروث سوشيال»، فى محاولة للاعتراض على حظره وتقييده.

لست من مؤيدى المرشح الرئاسى دونالد ترامب، وأتفق مع كثيرين ممن رأوا أن وجوده على رأس أقوى دولة فى العالم يمكن أن يسبّب مشكلات خطيرة، وأن يضر بالاستقرار والسلم العالميين، ومع ذلك فإننى أعارض بشدة حظر حساباته على مواقع «التواصل الاجتماعى»، أو فرض قيود عليه، من قِبل الشركات الخاصة التى تدير مواقع «التواصل الاجتماعى».

صحيح أن حرية الرأى والتعبير مفهوم جوهرى وأساسى، وهو جدير بأن ندافع عنه بكل قوة، لكن السبب فى معارضة حظر حسابات «ترامب» على «السوشيال ميديا» أو تقييدها، لا يعود إلى ذلك المبدأ، وإنما يرجع إلى اعتبارات أخرى تتصل أولاً بنطاق صلاحيات تلك الوسائط المفترضة، وتتعلق ثانياً بطبيعة جديدة اكتسبتها وباتت من خلالها آليات اتصال حكومى متكاملة الأركان.

كان «ترامب» هو نفسه الذى غرد، فى شهر أكتوبر 2017، قائلاً: «ربما لم أكن لأصل إلى البيت الأبيض لولا (تويتر)»، قبل أن يصف مواقع «التواصل الاجتماعى» بأنها «منصة هائلة»؛ وهو الأمر الذى عكسته دراسات أجرتها مراكز بحوث معتبرة، حين أعلنت أن أكثر من ثلثى قادة العالم، يستخدمون «تويتر»، فى بث رؤى، ومعلومات، بل وقرارات ذات طابع سيادى.

وفى دراسة ميدانية، كانت منصة «ستاتيستا» (Statista) الألمانية المتخصّصة فى معلومات «الإنترنت» قد وجدت أن 187 دولة بات لها وجود رسمى على «تويتر» من خلال حسابات شخصية أو مؤسسية يديرها رؤساء دول وحكومات.

وقبل سنوات، نشرت دورية «جورنال أوف بابليك هيلث»، عبر آلية نشر جامعة «أوكسفورد»، بحثاً أظهر أن الغالبية العظمى من قادة دول «مجموعة السبع» نشّطوا حساباتهم على «تويتر» الذى أضحى «إكس»، لنشر معلومات بخصوص «كوفيد 19».

وقبل ذلك تم الإعلان عن تطورات سياسية حاسمة ومؤثرة مثل الاتفاق النووى الإيرانى فى 2015، عبر تلك المنصات؛ وهو الأمر الذى يثبت أنها أضحت منصات اتصال سياسى، تجرى عبرها أنشطة سياسية ودبلوماسية على أعلى مستوى وبكثافة وقدر من الفاعلية والثقة كبير.

ليست مواقع «التواصل الاجتماعى» مجرد مواقع «تواصل اجتماعى»؛ فهى غدت منصات أعمال، ومنابر للنقاش العمومى، وأدوات لتعزيز حظوظ المتنافسين فى الانتخابات العامة أو تقليص فرصهم، والأهم من ذلك أنها تلعب دوراً رئيسياً فى حمل رسائل السياسيين والقادة، والتواصل فى ما بينهم وبين مجتمعاتهم ونظرائهم.

لقد تلقت تلك المنصات ضغوطاً وطلبات كثيرة من أجل أن تحسّن أداءها فى مجال ضبط النقاش العمومى عبرها، بما يلزمه ذلك من منع الخطابات المحرّضة والداعية للعنف والفوضى والمثيرة للكراهية، ورغم أنها تراخت كثيراً فى ذلك، فإنها أرادت أن تلعب دوراً مؤثراً فى حجب أقوال مرشحين سياسيين أو تقييدها، وفقاً لوجهات نظرها السياسية.

مع الإقرار بأن نبأ رفع القيود عن أنشطة «ترامب» على منصات «تواصل اجتماعى» رائجة هو نبأ جيد، فإن ترك الساحة لمشغلى تلك الوسائط لحجب أقوال القادة والمرشحين السياسيين للانتخابات العامة فى دولة ما، أو إتاحتها، هو عمل غير مدروس.

كما أن عودة «ميتا» أو «إكس» عن تلك القرارات، بإرادة منفردة، يعنى ببساطة أنهما قادران على المنع والحجب والإتاحة، بما يعنيه هذا من التأثير فى حظوظ المتنافسين السياسيين، وتأطير الخطاب السياسى الذى يصل إلى جمهور الناخبين.

يجب ألا يُمنح لهذه الشركات حق منع المرشحين والسياسيين من الحديث، أو السماح لهم بذلك بشروط، عبر منصاتها، وفق الاعتبارات نفسها التى تسرى على الجمهور العام، لأن ما يقوله المرشح والسياسى يجب أن يخضع للمحاسبة السياسية والقانونية فقط، وليس لقرارات مارك زوكربيرج أو إيلون ماسك وحدهما.