نور الشريف.. درس فني محترم (2 - 3)

عمار على حسن

عمار على حسن

كاتب صحفي

خطفنى فيلم «أهل القمة»، فتعلقت بالسينما، لم يكن عقلى وقتها يستوعب المعنى العميق الذى قصده كاتب القصة، وترجمه السيناريست والمخرج فى مشاهد وحوارات، والملحن فى الموسيقى التصويرية، لكن المعنى كان ماثلاً أمامى، بل يجرفنى وأهل قريتى، الذين يحفرون تحت جدار سميك ليظلوا على قيد حياة خشنة من آثار «الانفتاح الاقتصادى».

خطفتنى الصور وما استوعبته من الحكاية، واللحن الذي يعبر عن مشاهدها التى تتدفق بلا هوادة، حتى تظهر على الشاشة كلمة «النهاية».

لا أنسى وقتها أن المشاهدين كانوا غاية في السعادة من قدرة اللص على مراوغة الضابط، وكيف تمكَّن من أن يأسر قلب ابنة أخته، ويربح ثروة تجعل يده هي العليا في حيازة المكتسبات المادية.

لم يكن منبع هذه السعادة بعيداً عن الصورة المخيفة للضابط التى كانت راسخة فى أذهاننا، وأهلنا يحكون لنا عن ضابط نقطة الشرطة الذى كان فى الستينات يدخل القرى راكباً حصانه، فيجرى الناس أمامه وهو يهشهم بكرباجه الساخن، أو خيزرانته التى تتلوى كأفعى سامة، ويغلقون أبواب دورهم، ويعجزون عن إنقاذ من يقنصهم، لأسباب واهية، ويتبادلون الحكايات عن العذاب الذي يلحق بمن يساق إلى النقطة، أو يُقبض عليه متهماً في سرقة أو شجار أو اعتراض على شىء أو أمر.

كان وقتها الضابط يمثل لنا الخوف الأشد، فننقل هذا إلى ألعابنا، خصوصاً لعبة «عسكر وحرامية»، وكذلك إلى مساجلاتنا حين يريد كل منا أن ينتصر لقوة أبيه، فيقول للآخر: «أبى يغلب الضابط وأبوك يضربه الخفير».

كان الضابط أيضاً حاضراً فى أناشيدنا التى تطلقها عقائرنا الغضة المشبوبة بألحان صنعها من سبقونا وانتقلت إلينا، حين نجرى فور سماع أذان مغرب يتمم يوم صيام فى رمضان، عند الجامع الوحيد فى القرية، ونصدح:

«افطر يا صايم.. ع الكشك العايم

افطر يا عسكر.. ع الكحك أبوسكر

افطر يا شاويش.. على الكحك أبو ريش»

كان العسكر فى مخيلاتنا وقتها يجتمعون فى ضابط نقطة الشرطة وحده، ولم نكن ندرى أن غناءنا قديم، يعود إلى زمن المماليك، حين كانوا فى جنديتهم الغشوم يستأثرون بكل شىء، ويتركون للشعب الفُتات.

لكن الأجيال لم تكف عن ترديد هذا، حيث لم تمت الرغبة ولا الضرورة فى التعبير عن التفاوت الطبقى الكبير الذى يلازم الحياة الاجتماعية المصرية برمتها، ولا استهجان الإدارة المتحكمة بحد السيف.

لهذا ظل وجه نور الشريف أو «زعتر النورى» كما هو فى قصة محفوظ، ثم الفيلم، هو الفتى الذى يمكن أن ينتصر على كل ما يقيم فى مخيلاتنا المسكونة بالقهر والعوز، إلى أن رأيته مرة أخرى مستكيناً ضائعاً مثلنا فى مسلسل «أديب» المأخوذ عن رواية طه حسين.

رأيناه فتى محدودب الظهر، تسكن وجهه بثور مرض الجدرى، فتزيده دمامة، ويسعى إلى شق طريقه نحو التمكن بطريقة أخرى، وهى التى كان أهلنا يؤمنون بها، وقت أن كان التعليم يصنع جانباً معتبراً من الحراك الاجتماعى فى قريتنا، وينقل صاحبه من فلاح أجير إلى موظف يتيه على الناس بلباسه النظيف، ودوره المختلف.

أحببت نور الشريف كثيراً فى دور «إبراهيم عبدالله»، لا سيما أنه يجسد إحدى شخصيات العظيم ابن بلدنا طه حسين، وهى شخصيات كنا قد عرفنا الطريق إليها من سيرته البديعة «الأيام» التى كانت مقررة علينا فى الصف الأول الإعدادى، ومن مكتبة المدرسة التى أعدت رفاً كاملاً لكتبه وقصصه ورواياته.

بدا لى نور الشريف فى هذا الدور شاباً يستحق الشفقة، فقد تركته خطيبته «فهيمة» لدمامته، واضطر إلى التخلى عمن أحبته وتزوجها «حميدة» لأن بعثته إلى فرنسا اشترطت ألا يكون متزوجاً، ثم سحرته باريس فغرق فى ملذاتها ناسياً المهمة التى جاء إلى فرنسا من أجلها.

ربما أهدتنى المقارنة بين دورى نور فى الفيلم والمسلسل أول فهم لمعنى التمثيل.

فالفتى المتمرد المتأنق الجسور، الذى يعرف من أين تؤكل الكتف فى الفيلم، صار فى المسلسل هو المخمور الضائع، قليل الحيلة، المسكون بالأساطير والأشعار الغريبة، الغارق فى بكائه بلا انقطاع، جراء تفلت لم يقدر على صده ورده، وندم يأكل نفسه، ورغبة يعجز عن تحويلها إلى فعل إيجابى يرضى هو عنه، أو يرتضيه له الذين تعاطفوا معه، ويكف عن إثارة الحنق عليه فى نفوس الذين غضبوا من إهماله، وتسرب الحلم الكبير سريعاً من بين يديه.

إذن هذا الشخص الواحد، وهو نور الشريف، تختلف أحواله وتتقلب من دور إلى آخر، وعليه فى كل تمثيل أن يقنعنا بأدائه، فى سكناته وحركاته، وطريقة نطقه للحروف، وتعبيره الظاهرى عما تشتعل به نفس الشخصية التى يجسدها لنا.

(ونكمل غداً إن شاء الله تعالى)