«السوشيال ميديا».. والمفكرون الفوريون

ما زلت أغبط هؤلاء الذين يستطيعون الكتابة والحديث إلى وسائل الإعلام كل يوم من دون توقف على مدى أعوام في قضايا تخص الشأن العام.

إنها قدرة كبيرة وموهبة عظيمة ومهارة نادرة، أن تستطيع الإدلاء برأيك في مسائل تخصصية وحساسة وحافلة بالتفاصيل والخلفيات والسياقات والأرقام والقوانين والحالات المُقارنة، وأن يحدث هذا دوماً ببساطة ومن دون طلب الوقت اللازم لفحص القضايا وتقصي أبعادها وسبر أغوارها.

لقد كانت لدينا طبقة من المتحدثين الدائمين تمثلت لعقود في هؤلاء الذين يمتلكون منابر للكتابة الدورية، أو أولئك الذين يقدمون برامج التليفزيون في المؤسسات الإعلامية التي لا تحترم قواعد المهنة ولا تفصل بين الرأي والخبر، وأيضاً هؤلاء الذين يتم اللجوء إليهم في أقنية الإعلام المختلفة كمصادر للتعليق على الشؤون الجارية بانتظام.

ورغم الانتقادات التي يمكن أن توجه لهؤلاء الذين يحترفون تقديم التعليقات الفورية على القضايا الحيوية عبر وسائل الإعلام التقليدية، فإنه يمكن تفهم قيامهم بهذه الأدوار، بالنظر إلى التراكم الذي يمتلكونه في الموضوعات التي يتصدون للحديث عنها، وأخذا في الاعتبار بالطبيعة الضاغطة لعمل المؤسسات الإعلامية التي تضطر في أحيان كثيرة للحصول على تحليلات سريعة للتطورات المهمة لكي تؤدي مهمتها في شرح الأخبار للجمهور.

لكن ما فعلته "السوشيال الميديا" في هذا الصدد كان خطيراً وفارقاً، فهي ضاعفت أعداد أصحاب التعليقات الفورية على القضايا الحيوية آلاف المرات، ولم تكن تمتلك الحد الأدنى من القواعد أو المعايير التي يمكن أن تضبط آراءهم من خلالها أو تضمن بقاءها في حيز المعقول.

ولقد فعلت "السوشيال ميديا" شيئاً آخر لا يقل خطورة في هذا الصدد؛ إذ هي أعفت أصحاب الآراء الجاهزة والسريعة من أن يكونوا على صلة بما يتحدثون فيه، وفي عديد الحالات، لم ترس أي قواعد لمساءلتهم عن الخطأ في أطروحاتهم حال حدوثه، ثم هي لم تطالبهم حتى بتوثيق هوياتهم في معظم الأحيان.

ومع هذا التزاوج العجيب بين عوار راسخ في "الميديا التقليدية"، كرّس طبقة من "المُعلقين الفوريين" على كافة الأحداث وفي معظم التخصصات، وبين اختراقات صارخة في "السوشيال ميديا"، جعلت ملايين المواطنين قادرين على لعب هذا الدور، أصبحنا في حالة إعلامية وثقافية فريدة؛ ومفادها باختصار: لدينا أراء جاهزة للتعليق على كل تطور جديد.

فإذا جرى الحديث عن تحركات أسعار العملة، أو رفع أسعار الخبز المُدعم، أو أسلوب التعامل مع التعنت الأثيوبي في ملف سد النهضة، أو جدوى العاصمة الإدارية، أو تحليل الجهود الجارية لـ "إصلاح التعليم قبل الجامعي"، أو محاكمة شابة من "فتيات التيك توك"، أو تغيير نمط إصدار العملات المالية المتداولة، أو تحريك أسعار الوقود، أو توقيف رجل أعمال بتهم فساد، فإن الآراء جاهزة، والتعليقات متوافرة، وهي تتسم بقطع الواثق، وحسم العالم، وتمكّن المُطلع على التفاصيل.

هل يمكن أن يفهم أحدهم أن المقصود مما سبق طرحه في هذه المساحة هو وضع القيد على محترفي الكتابة الدورية في الشئون العامة، أو تحجيم انخراط الجمهور العادي وغير المتخصصين في مناقشة تلك الشئون، أو تخطئة حملات المناصرة والدعم التي تنطلق من جهات معنية ومواقف واضحة ومدروسة في بعض الملفات؟بالطبع لا.. ليس هذا هو المقصود بكل تأكيد؛ إذ إن إحدى علامات المجتمع الصحي المنفتح تتجسد في قدرته على طرح قضاياه الحيوية على المجال العام، وقدرة أفراده ومؤسساته على التعبير عن آرائهم بحرية في تلك القضايا.

لكن ما أمكن رصده بوضوح ضمن هذه الجرأة اللافتة في المسارعة بالتعليقات الفورية على التطورات الحيوية يكمن ببساطة في أن معظم المُعلقين لا يُدلي برأيه بقدر ما يعبر عن مصالحه، ومن ذلك أن ما نحصل عليه في هذا الإطار عادة بات لا يخرج عن حدود الأفعال الدعائية والتعبوية.. سيمكن أن نضرب مثلاً معاصراً لتجسيد تلك الحالة وتعيين مدى خطورتها، فقد لاحظت أنه لم تمر دقائق على إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة إلا وظهرت آراء وتحليلات في "السوشيال ميديا" تعتبر هذه التشكيلة "جيدة وخطوة إلى الأمام"، في مقابل آراء أخرى تراها "سيئة"، و"مهزلة" و"تنطوي على اختيارات خاطئة".

من جانبي، ما زلت أعتقد أن تحليل مثل تلك الخطوة، في سياقها الموضوعي والزمني، يحتاج حتى من المتخصصين وقتاً أطول من بضع دقائق، ولا أرى في الإسراع بتقييمها من غير أصحاب التخصص، والمطلعين حسني الاطلاع، سوى نوع من الدعاية والادعاء.لقد انقسم قطاع كبير من جمهور "السوشيال الميديا" في مقاربة خبر تشكيل الحكومة الجديدة إلى قسمين أساسيين؛ أولهما يتضح من متابعة سلوكه "السوشيالي" أنه مؤيد على طول الخط، وينتمي إلى معسكر الموالاة، وهذا القسم أفرط في مدح التشكيلة وأظهر تفاؤلاً كبيراً بقدرتها على تحقيق الإنجاز، وثانيهما يتضح أنه معارض مُقيم على المعارضة، وهذا القسم لم ينتظر دقائق حتى سارع باعتبار هذا التغيير "كارثة ومدعاة للتشاؤم".

لا يجب أن يستسهل مستخدمو "السوشيال ميديا" إصدار الأحكام والإدلاء بالتعليقات الفورية في القضايا المهمة والحساسة، ولا يجب أن تتحول ساحتها ميداناً للتحارب بالآراء المتصادمة.