هل يتسع الخلاف بين القاهرة والرياض حول القضية السورية؟!
تتعرض العلاقات المصرية السعودية لمحاولة إحداث وقيعة بالغة الخبث، تستهدف تفكيك أواصر التضامن بين البلدين فى ظروف بالغة الصعوبة يمر بها العالم العربى، تتطلب الحفاظ على علاقات التحالف الوثيق التى تربط بين مصر ودول الخليج، وفى القلب منها علاقات مصر بالسعودية ودولة الإمارات، بدعوى أن مصر تسعى لقطع الطريق على عقد مؤتمر للمعارضة السورية فى الرياض، يضم معظم تشكيلات وقوى ورموز المعارضة السورية، وبينها الجيش الحر وجيش الفتح وربما جبهة النصرة التى تعمل فى مناطق إدلب ودرعا، واستباقه بمؤتمر آخر للمعارضة السورية يعقد فى القاهرة يومى 8 و9 يونيو، يكاد يكون نسخة مكررة من اللقاء الأخير الذى تم فى العاصمة الروسية ولم يحقق أى إنجاز!، هدف مصر من هذه الخطوة الاستباقية، كما يقول هؤلاء، إيجاد كيان معارض جديد تحت اسم الحركة الوطنية السورية يكون بديلاً لائتلاف المعارضة السورية الذى تعترف به أكثر من 100 دولة وتدعمه قطر وتركيا، ويتخذ من إسطنبول مقراً له.
ورغم أن القصة بأكملها مختلقة وكاذبة، لأن مصر لا تسعى إلى إنشاء كيان معارض جديد يزيد وضع المعارضة السورية تشرذماً، ولا تستهدف من مؤتمر المعارضة السورية الذى يعقد فى القاهرة يومى 8 و9 يونيو قطع الطريق على مؤتمر الرياض، لأن مؤتمر القاهرة انعقد أول مرة فى يناير الماضى وتم بتنسيق كامل مع الرياض، وهو ينعقد مرة ثانية بناءً على طلب لجنة المتابعة التى انبثقت من المؤتمر الأول، وتحت إلحاح فصائل عديدة من المعارضة السورية، تحس أنها تمارس حقها المطلق فى حرية التعبير دون أى تدخل من جانب مصر التى يقتصر دورها على تهيئة أفضل مناخ ممكن، تستطيع خلاله فصائل المعارضة السورية مناقشة أوضاع بلادها بحرية كاملة ودون أى تدخل من جانب مصر، التى تكتفى بدعم ما يتفق عليه الإخوة السوريون دون أن تحاول فرض وصايتها.. وأظن أنه ليس سراً أن الإخوة السوريين الذين حضروا مؤتمر القاهرة الأول، ويحضرون مؤتمر القاهرة الثانى يومى 8 و9 يونيو هم الذين يتكفلون بمصاريف إقامتهم فى القاهرة، لأن القاهرة لا تمول أى فصيل سورى معارض، كما أن جدول أعمال مؤتمر القاهرة الثانى لا ينطوى على إشارة واحدة تقول إن واحداً من أهداف المؤتمر إنشاء كيان معارض جديد بديلاً عن ائتلاف المعارضة السورية، لأن غالبية قوى المعارضة السورية لا ترى فائدة من إنشاء كيان معارض جديد بعد أربعة أعوام من التدمير الشامل الذى تشهده سوريا، رغم مشروعية التساؤل عن حقيقة ما أنجزته تكتلات المعارضة السورية على امتداد هذه السنوات العديدة فى ظل انقساماتها المتعددة التى أضعفت قدراتها وعوقت أداءها!.
وواقع الحال أن مصر لا ترى أى تناقض بين عقد مؤتمرى الرياض والقاهرة الثانى، استجابة لطلب لجنة المتابعة وتلبية لمطالب عدد من فصائل المعارضة السورية تطمئن إلى مواقف القاهرة، بل ولا ترى القاهرة حرجاً فى أن تكون هناك نسبة من الحضور المشترك فى المؤتمرين، لأن القواسم المشتركة للمؤتمرين ينبغى أن تؤكد على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا أرضاً وشعباً، وتأكيد استقلالها واحترام سيادتها، والحفاظ على الدولة السورية بكامل مؤسساتها، والتزام النقاط العشر التى حددها بيان مؤتمر جنيف الأول، خاصة ما يتعلق منها بإنشاء هيئة حكم انتقالية مشتركة كاملة الصلاحيات، مهمتها الإشراف على عملية الانتقال الديمقراطى إلى دولة مدنية ذات سيادة، يحكمها دستور جديد يحافظ على الحريات السياسية والحقوق المدنية، ويقوم على مبدأ المواطنة والمساواة فى الحقوق لجميع السوريين دون تمييز، فى إطار برنامج زمنى محدد يكفل تحقيقه ضمانات دولية.
وربما تكون مصر أكثر تحفظاً فى أن يحظى مؤتمر المعارضة السورية فى القاهرة بحضور قوى لجماعة الإخوان المسلمين أو ممثلين لجبهة النصرة وثيقة الصلة بتنظيم القاعدة، والتى تعتبر نفسها منذ سقوط محافظة إدلب الأحق بالسيطرة على مصير سوريا!، لأن القاهرة تعتقد أن استبدال حكم هذه الجماعات المسلحة المتطرفة بحكم بشار الأسد هو مجرد استبدال شيطان بشيطان آخر، لن يخرج سوريا من أزمتها الراهنة، فضلاً عن أن وجود هذه الجماعات على رأس السلطة لن يحقق الأمن والاستقرار لسوريا، خاصة بالنسبة للأقليات المسيحية والدرزية والعلوية والتركمانية والكردية التى تشكل أكثر من 60% من مجموع الشعب السورى.. وبرغم محاولة جماعة الإخوان المسلمين إقناع جبهة النصرة بأن تفك تحالفها مع تنظيم القاعدة لصالح تحالف جديد يربطها مع جماعة الإخوان المسلمين ربما يسهم فى تقديم صورة أكثر قبولاً للعالم الخارجى، إلا أن هذا التحالف لن يقدر على كسب ثقة غالبية الشعب السورى أو يقلل مخاوف الأقليات الطائفية، على العكس، ثمة مخاوف حقيقية من أن تزداد الأوضاع فى سوريا تفسخاً وفشلاً!.
صحيح أن قطر تبذل جهدها لإقناع رئيس جبهة النصرة محمد الجولانى بأن يقدم نفسه للشعب السورى والعالم العربى فى صورة أقل تطرفاً، يتعاطف مع الأقليات الطائفية ويتعهد بحمايتها!، لكن هذه المحاولات لن تفلح فى تغيير ملامح الوجه القبيح المتطرف لتنظيم القاعدة مهما وضع الجولانى على وجهه من مساحيق التجميل!، ومن ثم فإن تسلط المتطرفين على حكم سوريا بعد سقوط بشار الأسد يمكن أن يسهم فى المزيد من التفسخ والفشل للدولة السورية، بكل ما يحمله ذلك من أخطار حقيقية على الأوضاع فى لبنان والأردن والعراق ومجمل منطقة الشرق الأوسط، لأن اختفاء الدولة السورية من خارطة الشرق الأوسط لصالح دويلات طائفية صغيرة كما يحدث فى العراق، يعنى المزيد من الفوضى والمزيد من عدم استقرار المنطقة، كما يعنى زيادة مخاطر جماعات التطرف على السعودية ودول الخليج، خاصة أن كافة تجارب التحالف مع الجماعات المتطرفة تؤكد أن التعايش مع هذه الجماعات يمثل بالضرورة صفقة خاسرة مصيرها الفشل، لأن الوحش سوف ينقلب بالضرورة على صاحبه!.
ومع الأسف تسهم سوء نيات البعض فى الترويج لأفكار خاطئة تستهدف التشكيك فى مواقف مصر رغم وضوحها ونزاهتها، تدّعى أن مصر تقف على الحياد بين المعارضة السورية وبشار الأسد!، وأن الموقف المصرى ينطوى على مساحة ملتبسة فى قضية بقاء بشار الأسد فى السلطة!، لمجرد أن مصر تصر على ضرورة التمييز بين الدولة السورية التى ينبغى الحفاظ عليها، ونظام حكم بشار الأسد الذى ينبغى أن يكون القول الفصل فيه للشعب السورى.. والمدهش فى الموقف أن الولايات المتحدة تحذر الجميع علانية من أن يتكرر فى سوريا ما حدث للعراق بعد الغزو الأمريكى، عندما انجرف الجميع مع تيار الهدم، وتم تفكيك الجيش العراقى وأجهزة الأمن وكل دواوين الحكومة عدا وزارة البترول، وأصبح العراق سداحاً مداحاً لفوضى مدمرة راح ضحيتها ما يقرب من مليون مواطن عراقى، الأمر الذى يستوجب ضرورة الحفاظ على الدولة السورية بدلاً من تفكيكها لصالح فوضى مدمرة يستحيل ضبطها!.
والحق أن الموقف المصرى فى جوهره لا ينحاز إلى الرئيس بشار الأسد الذى أهدر علاقات سوريا العربية، وركب العناد رأسه ليورد بلاده مورد التهلكة، وفرط فى استقلال القرار السورى ليصبح أسير حسابات طهران، لكن الموقف المصرى يفاضل فى الحقيقة بين استمرار مأساة الحرب الأهلية فى سوريا بكل مضاعفاتها إلى أن يسقط حكم بشار الأسد، دون وجود أية ضمانات مؤكدة بأن ذلك يمكن أن يحدث غداً أو بعد غد، وأن من يخلف حكم بشار الأسد سوف يكون أكثر رشداً تتوافق عليه غالبية الشعب السورى، وبين الذهاب إلى حل سياسى ينهض على فترة انتقالية يتم خلالها تشكيل هيئة تنفيذية عليا تضم كل أطياف المعارضة السورية، تملك كافة صلاحيات السلطة التنفيذية، تحافظ على مؤسسات الدولة السورية المتمثلة فى الجيش والأمن والحكومة، وتعطى للسوريين دستوراً جديداً يضمن حقوق المواطنة للجميع دون تمييز، كما يعطيهم الحق فى اختيار رئيس توافقى فى انتخابات نزيهة تخضع لإشراف دولى.
وأياً كانت مسوغات اختلاف الرأى بين القاهرة والرياض حول مستقبل الأزمة السورية، فإن الحل الصحيح الذى يقطع على المتآمرين جهودهم لإفساد العلاقات المصرية السعودية، يكون فى تكثيف الحوار بين القاهرة والرياض بما يضمن توافق العاصمتين على رؤية موحدة، واستراتيجية شاملة تختصر عذابات الشعب السورى، وتضمن ألا تستبدل شيطاناً بشيطان آخر، وتوفر على البلدين مغبة وصول جماعات أكثر تطرفاً إلى حكم سوريا، وتستفيد من درس العراق الذى تبدد شيعاً وطوائف متقاتلة بعد أن اندثرت كل مؤسسات الدولة العراقية؛ الجيش والأمن والحكومة، بحيث يتفرغ الجهد العربى لمواجهة مخاطر «داعش» و«القاعدة» اللذين يمثلان الخطر الأكبر على مستقبل عالمنا العربى والإسلامى.