محنة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

قد لا يسمع المواطن المصرى والعربى العادى عن هذه المنظمة، لكن المنشغلين بالتربية والثقافة والعلم فى مصر والوطن العربى مهمومون بها نظراً للدور المنوط بها فى الانتصار على التحديات التى تجابه الوطن العربى فى الظروف العصيبة الراهنة، التى لا يبدو للأسف أن الإدارة الحالية للمنظمة منشغلة بها، وتمر هذه الإدارة حالياً بارتباك واضطراب ظاهرين بعد أن رفض المؤتمر الوزارى الاستثنائى الأخير للمنظمة، الذى انعقد فى العاصمة الأردنية فى ١٢ مايو الحالى، اعتماد مشروع الخطة الذى رفعته الإدارة العامة إليه. صحيح أن قرارات المؤتمر لم تستخدم كلمة الرفض صراحة، ربما من باب المجاملة أو الشفقة، لكن الأمر لا يحتمل لبساً من أى نوع، إذ لم تستخدم القرارات بالمقابل عبارة «اعتماد مشروع الخطة»، وطلبت صراحة عرض المشروع وفقاً للتعديلات التى قررها المؤتمر العام فى دورته العادية المقبلة (مايو ٢٠١٦)، بعد عرضها على المجلس التنفيذى، وهو ما يعنى أن المؤتمر قد قدر أن النقص فى الخطة جسيم لدرجة أنه لم يفوض الإدارة العامة فى استكماله ولا هو حتى فوض المجلس التنفيذى فى ذلك، والدلالة المؤسفة لهذا أن إعداد خطة مستقبلية للمنظمة سيستغرق سنوات ثلاثة منذ بدأت اللجنة المكلفة بإعداد الخطة عملها فى أغسطس ٢٠١٣ وحتى يقرها المؤتمر الوزارى فى صورتها النهائية فى مايو ٢٠١٦ إن حدث ذلك. ومن الواضح أن موقف المؤتمر العام قد أصاب الإدارة العامة للمنظمة بارتباك واضطراب شديدين، فهى المرة الأولى التى يحدث فيها هذا الفشل فى إعداد الخطط والاستراتيجيات، وهو الأمر الذى جعل هذه الإدارة تمتنع حتى لحظة كتابة المقالة عن وضع قرارات المؤتمر على موقعها على شبكة المعلومات الدولية، واكتفت بوضع الوثائق التى عرضت على المؤتمر، وآخرها مشروع قرار اعتماد الخطة، بحيث يبدو للقارئ الذى لا يألف مصطلحات العمل فى المنظمة وكأن المؤتمر قد اعتمد الخطة بالفعل، والسؤال هنا: مَن تتصور الإدارة العامة أنها تخدع؟ ذلك أنها لا تخدع إلا نفسها، وثمة أسئلة كثيرة واجبة بخصوص هذا الفشل؛ لعل أولها ما الذى كانت اللجنة المعنية المكونة من ستة أعضاء، بالإضافة إلى معاونيها من جهاز الإدارة العامة، تفعله عبر ستة اجتماعات عقدتها فى عواصم عربية متنوعة بما يكبد ميزانية المنظمة مبالغ طائلة لتوفير بطاقات السفر وبدلاته؟ ولماذا يا ترى اختارت اللجنة بعد كل هذه الاجتماعات أن توكل الصياغة إلى بيت خبرة تبدو سابقة أعماله شديدة التواضع؟ ويتردد أنه حصل على أتعاب فلكية بالنسبة لميزانية المنظمة تتراوح تقديراتها بين ١٦٠ و٢٠٠ ألف دولار، بما يصل بالتكلفة الإجمالية للخطة التى لم يعتمدها المؤتمر العام إلى حوالى ربع مليون دولار، إن لم يكن أكثر، ناهيك عن تكلفة الاجتماعات المقبلة لإجراء التعديلات التى طلبها المؤتمر العام، وعما يقال من أن إحالة الدراسة إلى بيت الخبرة قد تمت دون اتباع الإجراءات المرعية لائحياً، وقد يكون الأهم من ذلك كله أن إحالة الخطة لبيت الخبرة هذا قد أهدرت موارد المنظمة فيما كان من الممكن للجنة أن تعتمد فى الصياغة النهائية للخطة على الكفاءات الموجودة بالإدارات المعنية داخل المنظمة، وقد سبق لها أن قامت بأعمال مماثلة بجودة عالية. يثير ما سبق أسئلة مشروعة عن الأسباب التى تفسر هذا الفشل المتكرر، وبالمناسبة من المؤكد أن المهتمين يذكرون مأساة أخرى تتعلق بخطة تطوير التعليم التى بادر بها السيد عمرو موسى، الأمين العام السابق للجامعة العربية، وأقرتها قمة دمشق ٢٠٠٨، وأوكلت تنفيذها للمنظمة فآل حالها الآن إلى أن استُنفدت اعتماداتها دون أن يتحقق منها شىء يذكر، فهل ترجع هذه الأسباب إلى أن سابق خبرة المدير العام الحالى للمنظمة لا يمكنه من إدارة الجهد التربوى الثقافى العلمى على مستوى منظومة العمل العربى المشترك؟ أم أن غيابه اللافت عن مقر المنظمة تلبية لأى دعوة من أى جهة مهما كانت قيمتها هو السبب؟ أم أن السبب هو ذلك الجهد الفائق غير الموفق فى محاولاته الإيقاع بخصومه داخل المنظمة الذين يملكون من الآراء المستقلة والرؤى السليمة ما يزعجه، وبالمناسبة فقد خرج على جدول أعمال المجلس التنفيذى الأخير فى أبريل الماضى وباغت أعضاءه بطلب تأييده فيما اتخذه من قرارات جائرة بحق الأستاذة الدكتورة نيفين مسعد لمجرد أنها كانت تتصدى لهجومه المريب على معهد البحوث والدراسات العربية الذى شرف بإدارتها له، ونجح للأسف فى تحقيق ما طلب بسبب استئثاره بعرض الموضوع من وجهة نظره، خاصة وقد كان ثلث أعضاء المجلس تقريباً أعضاء جدداً يحضرون للمرة الأولى، مع أن طلبه هذا كان مجافياً للقانون والعرف نظراً لأن الموضوع منظور أمام المحكمة الإدارية للجامعة العربية، ثم حاول مجدداً أن يكرر فعلته فى المؤتمر الوزارى محاولاً إلصاق المزيد من التهم بالدكتورة نيفين مسعد، لكن الله العادل قيض له الوزير البحرينى وكذلك الوزير الأردنى ووزير التربية المصرى ورئيسة المؤتمر وزيرة التعليم العالى الجزائرى، فضلاً عن ممثل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية فأوقفوه عند حده وخيب الله مسعاه. إلى من أشكو همى مما لحق بالمنظمة، وأبث حزنى على ما آل إليه حالها؟ إن إنقاذ العمل العربى المشترك فى مجالات التربية والثقافة والعلم مسئولية كل مثقف وتربوى وعالم فى الوطن العربى، وهو أيضاً مسئولية الحكومات العربية والأمانة العامة للجامعة العربية، وأزيد ومسئولية الرئيس السيسى باعتباره الرئيس الحالى للقمة العربية، وسبل الإنقاذ معروفة فهل من مجيب؟