أدركت أن الإخوان راحلون

عندما تنحى مبارك عن السلطة تحت ضغط الشعب المصرى فى 11 فبراير 2011، لم يكن أحد يدرك أن هناك جماعة متطرفة قررت السير فى طريق الاستيلاء على السلطة منفردة، مستخدمة الخداع حيناً والتهديد بالقوة أحياناً أخرى، ورويداً رويداً سارت فى خطتها المرسومة، فكانت تقرّب البعض وتُبعد آخرين، وكانت تفعل عكس ما تقول وما تتعهد به، فأعلنت أنها لن ترشح أحداً على مقعد رئيس الجمهورية فى انتخابات 2012 ورشحت ليس واحداً بل اثنين؛ خيرت الشاطر ومحمد مرسى، وأكدت أنها لن تحصل على أغلبية مقاعد مجلسى الشعب والشورى فى انتخابات 2012 وأعلنت أنها «مشاركة لا مغالبة» وخالفت ذلك وحصلت على أغلبية كبيرة ومسيطرة فى الانتخابات البرلمانية، بل وحصلت على المناصب الرئيسية فى المجلسين، وحاولت من خلالهما تنفيذ مشروع أخونة الدولة، حيث استطاعت تنفيذ العديد من خططها، ومنها تمرير قانون اللجنة التأسيسية لوضع دستور 2012، كما مررت قوانين خاصة بالعفو عن مسجونين، وغير ذلك مما يخدم مشروعهم.

بدأت الجماعة المتطرفة تتغوّل على مناصب الدولة بوصول رجلها محمد مرسى لمنصب رئيس الجمهورية، الذى لم يلتزم بقواعد وقوانين الدولة المصرية وذهب إلى ميدان التحرير ليؤدى اليمين أمام أتباعه، وسار فى تنفيذ خطة مكتب الإرشاد فى الانفراد بحكم مصر، فاستبعد جميع التيارات من المشاركة فى الحكم، بل وأصدر إعلاناً دستورياً فى نوفمبر 2012 يجعله فوق كل مؤسسات الدولة ولا يُبطل قراراته أحد، وعزل النائب العام وجاء بنائب خصوصى ليضع خصوم الجماعة فى السجون وألحق «مرسى» بعض أبناء الإخوان بالكليات العسكرية وكلية الشرطة وأصدر عفواً رئاسياً عن أكثر من 810 إرهابيين وتجار سلاح وأعمال بلطجة وتجار مخدرات ومخربين وقتلة، ومنح الجنسية المصرية لـ3000 فلسطينى أغلبهم من المنتمين للجماعة والمتحالفين معها، وبدأ ناقوس الخطر دقاته تعلو وتعلو، وأحس الجميع بالخطر.

سار «مرسى» فى طريق أخونة الدولة المصرية بكل قوة، فقام بتعيين رجال الإخوان فى كل مؤسسات الدولة، بل وفى وزارات حساسة مثل الخارجية والمالية والعدل، ثم توالت محاولات السيطرة على الوزارات والمؤسسات حتى وصلوا إلى وزارة الثقافة التى بدأوا بتقليص ميزانيتها وإيقاف بعض الأنشطة فيها، وبدأ بتغيير قيادتها ووضع رجال الإخوان فيها، وأصبحت هوية مصر على المحك، وزاد صلف الإخوان وغرورهم، ورددوا كثيراً أنهم جاءوا لحكم مصر 500 سنة.

وكان مما اعتُبر سيراً فى طريق نهاية حكم الإخوان لمصر أن محمد مرسى عرض على «أبومازن»، رئيس السلطة الفلسطينية، منح الفلسطينيين قطعة أرض فى سيناء ليتوسعوا فيها ويقيموا دولة على حساب مصر، وهو ما رفضه أبومازن، واشتط محمد مرسى أكثر فأعلن فى المؤتمر الذى عقده فى استاد القاهرة السير فى طريق دعم الثورة فى سوريا حتى لو وصل الأمر لدعمها عسكرياً، وذلك دون الرجوع للقوات المسلحة.

لقد سيطرت على مرسى والإخوان حُمى الإسراع فى السيطرة على مصر، ففى كل ساعة كان يخرج قرار ليزيد نفوذ الإخوان داخل الجهاز الإدارى المصرى أو يحاصر مَن يرون فيه عدواً مثل مدينة الإنتاج الإعلامى أو المحكمة الدستورية أو القضاء أو الحركة المدنية أو الجهات السيادية أو القوات المسلحة، وظهرت مخططات الإخوان للسيطرة على القضاء والمحكمة الدستورية وإعادة هيكلة الأجهزة السيادية وإحالة بعض قيادات الجيش للتقاعد وإحلال آخرين بدلاً منهم يدينون لهم بالولاء.

وأدركتُ أن قدَر مصر أوقعها فى يد مجموعة من الهواة ومحترفى، الدين وأن مصر بتاريخها الكبير وتجربتها فى تأسيس أصول الحكم لن تتحمل مثل هذا العته فى إدارة شئون أمة بحجم وتاريخ وحضارة الأمة المصرية، وأن الصدام قادم لا محالة، وأن هذه الجماعة زائلة، ليس من حكم مصر فقط، بل ومن التاريخ أيضاً.

كان قادة القوات المسلحة على وعى بكل ما يحدث، وأن صدام الشعب المصرى مع الإخوان قادم لا محالة، وهو صدام غير متكافئ، فالجماعة الظلامية لديها جناحها العسكرى، ولها تحالفاتها مع الجماعات الجهادية التى تؤمن بالعمل العسكرى بل وتتقن فنونه، وعلى الجانب الآخر الشعب المصرى، بكل فئاته، لا يملك ما يدفع به عن نفسه، وقواته المسلحة هى درعه وسيفه لحمايته من أية أخطار، لذا كان عليها أن تعلن بكل قوة أنها سند الشعب وقت الشدة، وطلبت من الجماعة ورجالها تحكيم العقل والنزول على رغبة الشعب وتحقيق مطالبه، فهو صاحب الحق الأصيل فى تحديد من يحكمه.

هنا أدركت أن الجماعة إذا لم تستمع لصوت العقل وتنزل على مطالب الشعب؛ فإنها تاركة - لا محالة - حكم مصر مصحوبة بعبارة «أنها أسوأ فترة عاشتها مصر فى تاريخها الحديث»، وهو ما حدث فى 30 يونيو حينما قامت ثورة شعبية ضد حكم المرشد وصدر بعدها بيان من القوات المسلحة والقوى الوطنية فى 3 يوليو 2013 ليعلن انتهاء حكم الجماعة الظلامية لحكم مصر، واستعادة الشعب المصرى بلاده التى فقدها فى 2012.

حفظ الله مصر ورجالها المخلصين

* وزير الثقافة الأسبق