د. محمد عبود يكتب: كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين!

د. محمد عبود يكتب: كانت تسمى فلسطين صارت تسمى فلسطين!
«كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين»، ربما رد نبى الشعر الفلسطينى «محمود درويش» بجملته الشعرية الخالدة على خبر اعتراف إسبانيا وأيرلندا والنرويج بالدولة الفلسطينية. فمنذ زمن طويل حصلت فلسطين على اعتراف رسمى من 144 دولة حول العالم، ومع ذلك يقف الاحتلال الإسرائيلى حائلاً بين الشعب الفلسطينى وحقه المشروع فى تقرير المصير.
بعد اعتراف الدول الثلاث بفلسطين جُن جنون وزراء حكومة نتنياهو والسياسيين الإسرائيليين؛ وزير الخارجية قرر سحب سفراء بلاده من الدول الثلاث واستدعى سفراءها للتوبيخ. وتفرغ بعدها لكتابة تغريدات مكايدة «تافهة» على منصة إكس، ووضعها على صفحات المسئولين الأوروبيين، فيما يشير إلى نقصان قيمة وقلة عقل! أما وزير المالية «سيموتريتش» فراح يهدد ببناء مستوطنة مقابل كل دولة تعترف بفلسطين! وبين قلة قيمة وزير الخارجية، وتشدد وزير المالية، نامت إسرائيل ليلة حزينة بسبب ما سمته صحيفة «يديعوت أحرونوت» بالهزيمة الدبلوماسية.
صدقت الصحيفة العبرية، فما حدث يعد فعلاً هزيمة سياسية كبرى ومدوية لإسرائيل فى القارة البيضاء. وقد يجر اعترافات أوروبية متوالية بالدولة الفلسطينية فيما يعرف بتأثير الدومينو، لا سيما أن ثلاث دول أخرى تستعد للخطوة ذاتها، وهى بلجيكا وسلوفينيا ومالطة!
السؤال الأبرز الذى تقرأه أينما وليت وجهك فى الصحف العبرية هو: كيف وصلت إسرائيل لهذا الوضع الدبلوماسى الكارثى بعد ما جرى فى السابع من أكتوبر؟ كيف فقدت «تل أبيب» قدرة الردع الدبلوماسى؟! فقبل «طوفان الأقصى» كانت هذه الدول الأوروبية سوف تفكر مرتين على الأقل قبل أن تخاطر بالانجرار إلى أزمة دبلوماسية مع إسرائيل!
الإجابة عن الأسئلة سهلة، لكن الغرور والغطرسة يعميان المحللين الإسرائيليين عن حقيقة الوجه الإسرائيلى القبيح الذى انكشف أمام العالم أجمع. وعن حقيقة أن اعتراف الدول الأوروبية الثلاث بالدولة الفلسطينية هو خطوة دبلوماسية تعبر بصدق عن تآكل شرعية إسرائيل، وتلطخ سمعتها فى أوروبا بسبب جرائم الحرب التى اقترفها جيش الاحتلال فى غزة، وما زال، وأشرفت على تنفيذها حكومة السفاح نتنياهو.
قد لا تعمى الأبصار، لكن تعمى القلوب التى فى صدور الإسرائيليين عن استيعاب أن الرأى العام الدولى لم يعد قادراً على استيعاب الجرائم الإسرائيلية بدءاً من طلاب الجامعات الغربية، ومروراً بالمؤسسات الأممية، ونهاية بعدد لا بأس به من الحكومات الأوروبية. أضف إلى ذلك أن إسرائيل لم تعد تخيف أحداً، وصارت عواصم أوروبية كثيرة تشم رائحة الضعف الإسرائيلى عن بعد، وترى أن إسرائيل زجت بنفسها فى عزلة دولية، وبدأت تفقد الدعم الأمريكى الأعمى شيئاً فشيئاً.
من جانب آخر، لم يكن الاعتراف الأوروبى بدولة فلسطين فعلاً دبلوماسياً مفاجئاً لإسرائيل، فقد أعلن وزير خارجية الاتحاد الأوروبى جوزيب بوريل، منذ شهر تقريباً، أن إسبانيا وأيرلندا ودولاً أخرى سوف تعترف بالدولة الفلسطينية. ومع ذلك لم يتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلى، ولم تتحرك الخارجية الإسرائيلية لمواجهة الخطوة المتوقعة، والسبب ببساطة أن «تل أبيب» أيقنت أنها سوف تدخل معركة خاسرة فى أروقة الدبلوماسية الأوروبية.
لقد صار الفشل عنواناً رئيسياً فى إسرائيل، فشل فى السياسة والدبلوماسية والحرب، والضربة الدبلوماسية التى تلقتها إسرائيل هذا الأسبوع، قد تتلوها هزائم قانونية فى محكمة العدل ثم الجنائية الدولية. وعلى الرغم من التداعيات الكارثية لعملية طوفان الأقصى على صعيد الدم الفلسطينى المراق، وأعداد الشهداء والمصابين ودمار العمران فى غزة، فإن نقطة النور الوحيدة فى نهاية النفق المظلم ربما تكون طرح الدولة الفلسطينية المستقلة على طاولة النقاش. وتبلور إجماع شبه دولى على أن الحل السياسى ضرورة ملحة للقضية الفلسطينية، وأن بداية هذا الحل تكون بإلزام إسرائيل بقبول حل الدولتين.