ابن بطوطة في كنيسة «آيا صوفيا»!
كيف يمكن للأقدار أن تدفع رجلاً شرقياً، فى نهاية العصور الوسطى، إلى الوقوف قبالة سرير إمبراطور القسطنطينية؟! لم يكن السرير خالياً؛ كان فوقه الإمبراطور، وبين يديه زوجته! وهذا بعض من مشاهدات كثيرة وثّقها الرحالة ابن مدينة طنجة المغربية؛ محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم، المعروف باسم «ابن بطوطة»، فى رحلاته الشهيرة التى لف فيها أصقاع الأرض، من عام 1325م إلى 1354م، والتى دُونت تحت اسم «تحفة النظار فى غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، فكان على سبيل المثال لا الحصر، شاهداً عربياً نادراً على القسطنطينية من الداخل، قبل نحو قرن من استيلاء العثمانيين عليها.
وصل الرحالة ابن بطوطة إلى بلاد المغول وسلطانها «محمد أوزبك خان». حينئذٍ كانت زوجة السلطان، وهى أيضاً ابنة إمبراطور القسطنطينية المسيحى، فى شهور حملها الأخيرة، وقد رغبتْ فى العودة إلى ديارها حتى تضع مولودها هناك، وبالفعل أُذن لها، وقد وجدها الرحالة العربى فرصة لمشاهدة درة بلاد الروم، فاستأذن من السلطان أن يكون ضمن مَن سيرافقون زوجته، فأذن له، وأنعم عليه بخيول وأموال. وقد وصف ابن بطوطة الطريق إلى القسطنطينية فى الشتاء القارس، وكيف خرج الناس لاستقبال ابنة الإمبراطور (زوجة السلطان محمد) باحتفاء. كذلك يُسجل الرحالة العربى مشهداً لم يره بعينيه وسط الزحام؛ وإنما ذُكر له، وهو أنه لما ظهر والدها الإمبراطور وأمها وسط الجنود، قبّلتْ الابنة الحامل الأرض بين يدى أبويها، ثم قبّلتْ حافرى فرسيهما. وكان دخولهم المدينة عند غروب الشمس، وقد ارتجتْ بدق نواقيس الكنائس، وعند وصولهم إلى باب القصر، نظر الحراس نحو بعض الموجودين رفقة ابنة الإمبراطور هاتفين: «سَرَاكِنُو.. سَرَاكِنُو»، ومعناها: (المسلمون)، ومُنعوا من المرور حتى أمنتهم زوجة السلطان عند والدها الإمبراطور، فأمر لهم بحُسن الضيافة، وفى اليوم الرابع أُذن لابن بطوطة بالدخول إلى الإمبراطور فى حراسة مشددة.
فُتش الرحالة العربى لئلا يكون معه سكين، وأحاط به الجند، الذين كان من بينهم ترجمان يهودى طمأنه قائلاً: «أنا الترجمان، وأصلى من بلاد الشام»، وحين سأله ابن بطوطة عن كيفية السلام على الإمبراطور، أخبره ببساطة: «قل السلام عليكم»، ثم عبروا إلى الداخل، حيث كان الإمبراطور فوق سريره، وبين يديه زوجته، وأمام السرير كانت جالسة ابنته، ثم أشار الإمبراطور إلى ابن بطوطة بالجلوس، ليسأله عن أحوال الشرق، وبيت المقدس، وكنيسة القيامة، وبيت لحم، والخليل، فلما أجابه، قال: «أكرموا هذا الرجل، وأمّنوه»، وأنعم عليه بفرس وعطايا، ومنحه مظلة من التى يجعلها الإمبراطور فوق رأسه؛ علامةً على الأمان؛ حتى لا يؤذيه أحد فى الطرقات. وقد طلب الرحالة العربى من الإمبراطور أن يُعين له مَن يرافقه فى القسطنطينية؛ لكى يشاهد عجائب المدينة وغرائبها، ويحكى عنها فى بلاده.
يحكى ابن بطوطة أن والد هذا الإمبراطور، كان إمبراطوراً قبله، لكنه تنازل عن العرش إلى ابنه زاهداً منقطعاً إلى العبادة، وقد شاء القدر أن يتقابل الرحالة العربى فى الطرقات مع هذا الزاهد أو الإمبراطور السابق! يومئذٍ كان ابن بطوطة فى رفقة ترجمان من الروم، وإذا بهما يصادفان هذا العجوز وسط مجموعة من الرهبان، كان يسير على عكازه وقدميه، فوق جسده مسوح من صوف خشن، وفوق رأسه قلنسوة، وفى رقبته سُبحة، لحيته كانت طويلة بيضاء، وفى وجهه حُسن من أثر العبادة؛ لحظتئذٍ اتجه الترجمان مصافحاً والد الإمبراطور، الذى سأله عن الرجل الغريب، فأجابه بأنه قادم من الشرق وكذا وكذا؛ حينئذٍ طلب أن يُسلم عليه، ثم توجه نحوه بالكلام قائلاً: «قل لهذا السَرَاكِنُو، أنا أصافح اليد التى دخلتْ بيت المقدس، والرِجل التى مشتْ داخل كنيسة القيامة، وبيت لحم»، ثم مدَّ يده ماسحاً قدم ابن بطوطة، ثم مسح وجهه بها تبركاً. بعد ذلك سار الرحالة العربى رفقة العجوز الذى ظل يسأله عن حال بيت المقدس، وقد امتد الحديث بينهما حتى الحرم الخارجى لكنيسة «آيا صوفيا»، وكان بها آلاف القساوسة والرهبان، بعضهم من ذرية الحواريين (تلاميذ السيد المسيح)، وكان بها كذلك أكثر من ألف من البنات الأبكار المنقطعات إلى العبادة، أما القواعد من النساء فأكثر من ذلك كله. ولما قطعوا الحرم الخارجى واقتربوا من بابها الأكبر، فك الإمبراطور السابق المترهب يده من ابن بطوطة، ولم يسمح له بالدخول؛ لأن ذلك يقتضى السجود للصليب الأعظم، ولا يمكن مخالفة ذلك.
عقب نحو مائة عام من زيارة ابن بطوطة للقسطنطينية، سقطتْ المدينة فى يد العثمانيين، وأصبحتْ «إسطنبول»، أما «آيا صوفيا» فقد تبدلت ملامحها، واستحالت مسجداً. إن محاولة التقمص الوجدانى لأى من الشخوص أعلاه، رُبما تشى بأن ما رآه بعضنا فتحاً، هو فى نظر الآخرين ليس إلا احتلالاً، وأن ما رأيناه نحن فى حقبة لاحقة استعماراً، كان فى عيون أصحابه بطولةً وانتصاراً. السؤال: هل فُطر البشر على نعت الفعل الواحد بأوصاف مختلفة كى تطيب نفوسهم؟ أنا لا أملك يقين الإجابة، رُبما محاولة إعادة قراءة التاريخ من ضفاف مختلفة تجيب، ورُبما لا. لكن هكذا هى الدنيا، للحقيقة فيها وجوه كثيرة.