ألاعيب الجماعة واعترافات الأثر الرجعي (4).. جريمة اغتيال النقراشي!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

خمس وعشرون دقيقة بالتمام والكمال استغرقها موكب رئيس الوزراء ووزير الداخلية محمود فهمى النقراشى بين بيته بمصر الجديدة وبين وزارة الداخلية، حيث اختار أن يذهب فى ذلك اليوم الثامن والعشرين من ديسمبر عام تسعة وأربعين.. فعند التاسعة وأربعين دقيقة غادر منزله بصحبة حراسته واختار «الداخلية» بعد أن كان يغير مساره كل يوم هرباً من تربص جماعة الإخوان به.. عند العاشرة وخمس دقائق بالتمام والكمال وصل إلى بوابة الوزارة، ومنها إلى البهو الداخلى حيث المصعد. 

عدد من الضباط يؤدون التحية، وبعدهم ضابط يؤديها منفرداً، وردّ النقراشى التحية، وما أن استعد لدخول المصعد إذ بالضابط الأخير يُخرج مسدسه ويطلق رصاصاته فى ظهر الرجل لتصعد روحه فى الحال!!

كان قد مر عشرون يوماً بالتمام والكمال على القرار الذى أصدره النقراشى فى ٨ ديسمبر ١٩٤٨ بحل الجماعة، والذى أوضحنا سببه فى حلقة الأمس بعد ضبط السيارة الجيب فى حادثها الشهير فى ١٥ نوفمبر عام ١٩٤٨، والتى ضُبطت بالصدفة، وكانت تحوى -فضلاً عن الأسلحة والمتفجرات- كشوفاً بأسماء أعضاء الجهاز الخاص المسلح للجماعة والتى تُعتبر أمنياً كنزاً ثميناً، لكنه أيضاً كان مفاجأة صادمة أكدت وجود جيش من الإرهابيين لدى الجماعة، وبالفعل كان أول ضحاياه هو رئيس الوزراء نفسه!!

أصدر حسن البنا بعد الحادث -وقد أدرك غضب الشارع المصرى وردود الأفعال السلبية ضد جماعته على الجريمة- بياناً بعنوان «بيان للناس» يستنكر الحادث ويعلن تبرؤه منه.. ثم أصدر بياناً آخر ضمَّنه عنوان بيانه عقب اغتيال المستشار أحمد الخازندار، وهو جملة «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين»!

بيانات «البنا» لم تُكسبه أى تعاطف من الحكومة ولا من القصر ولا من الشارع. بل سارت فى اتجاهين.. الأول غضب من أعضاء الجماعة وقد وجدوا الرجل الذى بايعوه يبيعهم فى مفترق طرق لأول أزمة كبيرة، والمسار الثانى انهيار شامل للإرهابى عبدالمجيد أحمد حسن، الضابط المزيف قاتل النقراشى، الذى أدلى بعد البيان، وبعد أيام من رفض الاعتراف رغم التعذيب الذى تعرَّض له، بأنه اغتال رئيس الوزراء رداً على قراره بحل الجماعة وأن حلها، وهى جماعة دينية، عمل ضد الإسلام نفسه، معتبراً أن جماعته هى الإسلام!!! ثم أدلى بأسماء شركائه ممن تم ضبطهم والحكم عليهم بالسجن، وهو بالإعدام!!يمر ما يقرب من أربعين عاماً على الجدل حول دور حسن البنا فى الجريمة.

وأنه لم يكن يعلم وأن التنظيم الخاص تمرد حتى عليه هو وراح يتصرف منفرداً.. حتى تتوالى الاعترافات بأن القتل بتوجيه منه، وأن التنظيم الخاص لم يكن يتحرك دون توجيهه، بل كانت اعترافات تفصيلية مدهشة من عينة ما كتبه أحمد عادل كمال، بطل حادث السيارة الجيب وأحد قادة الجهاز الخاص، الذى قال حرفياً فى كتابه الشهير «النقط فوق الحروف»: «هناك أمام وزارة الداخلية مقهى الأعلام تم اختياره مسبقاً ليجلس به عبدالمجيد أحمد حسن -21 سنة- وقد تسمى باسم حسنى فى انتظار مكالمة تليفونية لتلقى إشارة بأن الموكب قد غادر بيت الرئيس فى طريقه إلى الوزارة، وتمت تلك التجربة مرات قبلها، وفى يوم الحادث تلقى «الضابط حسنى» إشارة تليفونية بأن الموكب قد تحرك، فغادر المقهى إلى البهو الداخلى لوزارة الداخلية، وهناك كانوا يُخلون البهو من الغرباء فى انتظار وصول الرئيس، ولكن عبدالمجيد وقد ارتدى زى ضابط بوليس لم يطلب إليه أحد الانصراف، فهو من أهل البيت»! ثم يُكمل: «اجتاز عبدالمجيد الباب الخارجى ثم الداخلى وانتظر فى البهو، وجاء النقراشى بين حرسه متجهاً نحو المصعد حتى إذا صار على وشك ولوجه فاجأه عبدالمجيد بإطلاق ثلاث رصاصات من مسدس برتا إيطالى الصنع كان معه، وقد تم ذلك بسرعة خاطفة وأصابت الرصاصات الهدف فسقط النقراشى على الأرض جسداً له شخير وخوار. كانت الساعة العاشرة وخمس دقائق صباحاً، وأُخذ رجال الحرس بما حدث فلم يستطع أحد منهم عمل شىء قبل إطلاق المقذوفات الثلاثة»!!!

بينما يعترف شيخ الدم يوسف القرضاوى فى مذكراته التى نشرها تحت عنوان: «ابن القرية والكُتَّاب.. ملامح سيرة ومسيرة»، وبعد الاعتراف بقيام الإخوان بالجريمة، يضيف حرفياً:«ولقد قابلنا نحن الشباب والطلاب اغتيال النقراشى بارتياح واستبشار، فقد شفى غليلنا وردّ اعتبارنا، ومما أذكره أنى نظمت بيتين فى هذه المناسبة يعبران عن ثورة الشباب فى هذه السن، خطاباً لعبدالمجيد حسن قاتل النقراشى كان الطلاب يرددونهما، وهما:عبدالمجيد تحية وسلام ** أبشر فإنك للشباب إمامسمّمت كلباً جاء كلب بعده ** ولكل كلب عندنا سمّام».والجمع بين تبرير الجريمة وبين إنكارها موجود فى أهم اعترافات الجماعة بأهم إصدارات قياداتها مثل كتاب «أيام مع الإمام الشهيد» لمحمود عساف، و«حقيقة الجهاز الخاص» لمحمود الصباغ، وكذلك موقع الجماعة نفسه وحتى اليوم!