دراما صناعة الوعي من «الاختيار» إلى «الحشاشين»
فى غياب الوعى تدفع البلاد ثمناً باهظاً، تصبح فى مرمى نيران الفوضى والاضطرابات والفتن السياسية والاجتماعية. هذه حقيقة يُقرها العقل وتُثبتها التجربة. لا يمكن لأى دولة الاعتماد على قوتها العسكرية فحسب، أو الاطمئنان إلى تماسك نظامها السياسى والأمنى فقط، بمنأى عن الحالة الفكرية للمجتمع والأفراد.
هذا ما أدركته الدولة المصرية بعد درس 2011 - 2013، حيث عاشت سنوات من السيولة فى ظل فوضى فكرية انعكست آثارها على الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية. فعملت لاحقاً على عملية بناء وتشييد ليس للبنية الأساسية للبلاد فحسب، ولكن لبنية العقل والوعى والإدراك، بدايةً من الدعوة الرئاسية الملحة والمكررة لضرورة تجديد الخطاب الدينى، مروراً إلى فتح جسور التواصل بين القيادة السياسية والنخب المجتمعية ومختلف فئات المواطنين عبر سلسلة من المؤتمرات الرئاسية ومنتديات الشباب وجلسات الحوار الوطنى وغيرها من نوافذ التواصل على كل المستويات.
ولم يكن الفن المصرى بعيداً عن هذه المنظومة المتكاملة، فظهرت دراما الوعى عبر الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التى قدمت العام الحالى، والأعوام الماضية، سلسلة من الأعمال التى تخاطب الواقع وتتصدى لقضايا عصرية مُلحة، بهدف إعادة بناء منظومة الوعى فى المجتمع.
كان على قمة هذه الأعمال فى السنوات الماضية ثلاثية «الاختيار»، التى سلطت الضوء على المواجهة المسلحة بين الدولة والمجتمع المصرى فى جانب والتنظيمات الدينية المتطرفة فى جانب آخر، وكشفت جزءاً من التضحيات الكبرى التى قدمها المصريون فى سبيل التخلص من هذا الكابوس، وذلك فى إطار درامى فنى مميز استطاع أن يحقق جماهيرية واسعة، فلم تكن الرسالة منفصلة عن المقومات الدرامية الأخرى، سواء على مستوى السيناريو الجيد أو التمثيل والإخراج.
ولم يكن «الاختيار» وحده، فخرج إلى النور مسلسل «الكتيبة 101» الذى يكشف الحرب التى خاضتها الدولة ضد الإرهاب فى سيناء، ونزع جذور التطرف من أرض الفيروز الغالية، والتضحيات التى قدمها أبطال الكتيبة 101 فى مدينة العريش وغيرها من المدن والقرى السيناوية، وهى الكتيبة التى مثَّلت رأس الحربة فى مواجهة «أهل الشر» على أرض سيناء.
ثم جاء مسلسل «الإمام الشافعى» الذى يمثل نقلة فى الدراما الدينية، وقدّم نموذجاً من نماذج الوسطية الدينية التى يعرفها الإٍسلام بعيداً عن الغلوّ والتطرف، وسلط الضوء على المحبة التى جمعت بين الإمام وأهل مصر، الذين هم فى رباط دائماً إلى يوم الدين.
وفى موسم رمضان الذى انقضى واصلت «المتحدة» رسالتها عبر مسلسل «الحشاشين» الذى حقق نجاحاً واسعاً، وقدّم إلينا واحدة من أكثر طوائف التاريخ عنفاً وشراً، وهو العنف والشر الذى لم يكن بعيداً عما عاناه المصريون من «حشاشين» السنوات الأخيرة، الذين ارتكبوا ممارسات مشابهة إلى حد التطابق، فاتخذوا من العنف وسيلة، ومن الاغتيالات والأعمال الإرهابية أداة، وأراقوا الدماء، وحاولوا إشاعة الفوضى والخوف فى المجتمع.
منذ اللحظة الأولى، ورغم أن المسلسل يدور فى زمن غير الزمن، ربط المصريون فوراً بين «حشاشين الماضى» و«حشاشين اليوم».
ولم تغب دراما الوعى عن قضية القضايا التى تشغل المصريين وكل الوطن العربى، بل العالم أجمع، وهى قضية فلسطين الأرض المحتلة، فكان مسلسل «مليحة» الذى يكشف جانباً من الجرائم الإسرائيلية فى حق أصحاب الأرض من أشقائنا الفلسطينيين.
هذه هى دراما الوعى التى تبنى المجتمعات، وتعزز حالة الإدراك، وتمثل أفضل مواجهة فكرية لكل الشرور التى لا تقتصر مواجهتها على السلاح فحسب، بل بالكلمة أيضاً.