العالم السري للحشاشين.. نقلة فكريَّة وفنيَّة في الدراما التاريخية

آمال عثمان

آمال عثمان

كاتب صحفي

وسطَ مزيجٍ درامى متميّزٍ ومتنوِّع الأفكار، تشهده شاشة رمضان هذا العام، وأعمال فنيّة متعددة الرؤى والأشكال، استحوذ مسلسل «الحشَّاشين» على الاهتمام والجدل الأكبر، والمشاهدة الأعلى سواء على شاشة التليفزيون أو المنصَّات الإلكترونية، ورغم أنه من المبكر الحكم على عمل فنى من حلقاته الأولى، فإننى أستطيع القول إنه فاق كل التوقعات، ونجح أن يؤرِّخ لنقلة نوعيَّةٍ فى مسيرة الدراما التاريخيَّة -التى أضحت توجهاً عالميّاً له جمهوره الواسع- بما قدمه من ثراء وعمق فكرى، وإبهار تقنى متميّزٍ على مستوى الصورة، وإنتاج ضخم يضاهى الدراما العالمية.

عشنا سنواتٍ طويلة نتحسر على الدراما التاريخيَّة، ونحن نشاهد الأعمال التركيَّة والإيرانيَّة والسوريَّة، ونتابع الاحترافيَّة العالية على مستوى الكتابة والصورة والإنتاج، ومواقع التصوير والديكورات، والخدع والملابس والإكسسوارات، وسواء اتفقنا أو اختلفنا على محتوى تلك الأعمال الدراميَّة، وتوظيفها للتاريخ أو تزييفه وتشكيله بما يخدم أفكاراً وتوجهات سياسيّة، فقد كانت منافستها أو مجاراتها فى تقديم الدِّراما التاريخيَّة بهذا المستوى الفنى حلماً بعيد المنال، وأمنية تتحطم على صخرة الميزانيَّات والإمكانيَّات، ثم بات الأمر خارج نطاق الأحلام والأمنيات، بعد رحيل العديد من كبار كتاب تلك النوعيَّة الصعبة من الدراما، لما تحتاجه من ثقافة تاريخيَّة، وبراعة فى سرد الأحداث وتناول الشخصيَّات بأسلوب فنى جذابٍ، ومقدرةٍ على مزج الخيال الدرامى بالواقع التاريخى، دون تزييفٍ أو إخلالٍ بالحقائق والثوابت.

صحيح أن الشركة المتَّحدة سبق أن قدمت أعمالاً ملحميّة وتاريخيّة على مدى السنوات الأخيرة، لكن مسلسل «الحشّاشين» الذى يتناول العالم السرىّ لطائفةِ الحشّاشين، توافرت له عناصر نجاحٍ حققت قفزةً كبيرةً للدراما التاريخيّة، ومنحتها تأشيرة دخول حلبة المنافسة على المستوى الإقليمى والعالمى، من خلال قصّةٍ حقيقيّةٍ من التّاريخ الإسلامى، نالت مساحة جدليّةً واسعةً، وتباينت حولها الآراء فى كتب التاريخ والرّوايات، بطلها شخصية تراجيديَّة نُسجت حولها الأساطير والحكايات، واستحوذت على إبداعات العديد من المستشرقين والكتًَاب والمؤلِّفين، وقضيّة ترمى بظلالها على حياتنا المعاصرة، وتهدد حاضرنا ومستقبلنا.

يجمع العمل بين ثلاثى فنىٍّ ناجحٍ، النّجم المحبوب كريم عبدالعزيز، ويشكل له الدور معضلةً صعبة، فهو يجسد شخصيّة ثريّة ومؤثِّرة مغرية لأى ممثل، بتحولاتها وانفعالاتها ومواقفها، ولكن دون أن يتماهى معها المشاهد، ويقع فى فخ التعاطف معها أو التعلق بها، وكاتب مبدع لديه ثقافة موسوعيّة، المؤلف عبدالرحيم كمال، صاحب أكبر رصيد من الأعمال الدرامية المتميِّزة فى السنوات الأخيرة، يراهن على سرد الأحداث التاريخيّة من منظور درامى جذَّاب ومشوِّق، وحوار يجمع بين الرقى والعمق والبساطة، ومخرج موهوب يجيد اختيار شخصيات أعماله، ويهتم بكل تفاصيلها، حتى الأدوار المساعدة والثانويّة، المبدع «بيتر ميمى» الذى يبث روحاً فى النص المكتوب، ويقدم صورةً تنبض بالحياة، بأسلوب فنى شديد الإبهار والمتعة والجاذبيّة، بمشاركة فريق فنى وتقنى احترافى بامتياز، المصور حسين عسر والمونتير أحمد حمدى، والمؤلف الموسيقى أمين أبوحافة، وغيرهم.

من اللحظة الأولى بدأت الأحداث قوية متلاحقة سريعة الإيقاعِ، وجاءت فكرة السرد عن طريق الراوى لتضع المشاهد قبل كل حلقة على أعتاب بوابةِ التاريخ، وترسم بداية العلاقة بين ثلاثيّة السلطة والفن والزعامة، الوزير نظام الملك، الشاعر عمر الخيام، والداعية حسن الصبَّاح، «صاحب مفتاح الجنة» ومؤسس طائفة الحشّاشين، المنبثقة من المذهب الإسماعيلى، وهى أخطر جماعةٍ دينيَّة سريَّة تأسست فى العالم الإسلامى، وأكثرها عنفاً ودمويةً، والمرجع الأساسى للجماعات الجهاديّة والتكفيريّة التى ظهرت فى المنطقةِ العربيَّة، ومن رحمها خرجت أغلب تنظيمات الإسلام السياسى، احترفت القتل والاغتيالات والعمليات الانتحارية لأهدافٍ سياسيةٍ ودينيةٍ متعصبةٍ، ونشأت فى ظلِّ توتراتٍ وصراعاتٍ، ومطاردة أتباعها من قبل السلاجقة الأتراك، المنتمين للمذهبِ السنِّى، ثم الصليبيين الذين تحالفوا معهم لمواجهةِ صلاح الدين الأيوبى فى مصر، ومحاولة اغتيالهِ، ثم انقلبوا بعد ذلك عليهم.

تحيةً للقائمين على هذا العمل الفنى الذى احترم عقلَ الجمهور، ومنحنا الثِّقة فى قدرة الفنِّ المصرىِّ على منافسة الأعمالِ التاريخيّة العالميّةِ.