مدينة الخبز وعرق اللؤلؤ
وتستمر اللقطات الموجعة ومعها الكلمات التى تذبح المشاعر وتصيب القلوب بالألم، وتسجلها الذاكرة كدليل إثبات على تلك الجرائم التى علَّمت الصغار معنى الفقد والحزن ومواساة الكبار والشد على أيديهم وعناق الأحزان.
تستمر تلك اللقطات فأسمع الصغير ذا الأعوام الخمسة، على أكثر تقدير، يواسى أمه فى فقد شقيقه ويتوسل إليها ألا تبكى ويحتضنها وكأنه يحاول إبعادها عن الأحزان والدموع والعويل على من راحوا. فأى علامة تلك التى رسمها الحدث على ملامحه وقلبه وعيونه؟ طفل بيت لحم سيكون أحد أهم شهود العيان على ما حدث فى تلك المدينة.
لقد أطفأ العدوان الإسرائيلى أنوار بيت لحم وأوقف احتفالات عيد الميلاد التى كانت تقام على ثلاثة تواريخ مختلفة، ففى ٢٥ ديسمبر يحتفل المسيحيون الكاثوليك والبروتستانت، وفى ٦ يناير تحتفل الكنيسة اليونانية والسريانية والأقباط، وفى ١٩ يناير تقام احتفالات المسيحيين الأرمن الأرثوذكس، لتمر معظم مواكب عيد الميلاد عبر ساحة كنيسة المهد فى الساحة الخارجية لها.
وتأتى أهمية مدينة بيت لحم عند المسيحيين بسبب ولادة المسيح عيسى ابن مريم بها، حيث يوجد فيها عدد من الكنائس، أهمها كنيسة المهد التى تُعد من أقدم الكنائس فى العالم والتى بناها قسطنطين الأكبر عام ٣٣٠م على كهف يعتبره المسيحيون مكان ولادة المسيح عيسى، وبالقرب من الكنيسة يوجد سرداب كثرت حوله المعتقدات بأنه المكان الذى بات فيه چيروم ثلاثين عاماً من حياته قضاها فى ترجمة الكتاب المقدس للمسيحيين.
وتقع مدينة بيت لحم بين مدينتى الخليل والقدس، حيث تمتد على هضبتين يصل ارتفاعهما إلى ٧٥٠ متراً فوق مستوى البحر، وهى جزء من الجبال والهضاب الوسطى فى فلسطين التى تنتشر موازية لغور الأردن والبحر الميت.
ويرجع الاسم إلى مدينة قديمة تقع جنوب القدس عُرفت باسم بيت (إيلولاهاما) وهو إله القوت والطعام عند الكنعانيين، وكانت تعنى عند الآراميين بيت الخبز، ولبيت لحم أيضاً اسم قديم هو (أفرانة) وهى كلمة آرامية تعنى الخصب والثمار.
وبسبب أهمية المدينة الثقافية والسياحية ظلت بيت لحم مطمعاً للغزو من قبَل العديد من الشعوب والدول، حيث تعرضت لغزو الآشوريين والبابليين والفارسيين والإغريقيين والرومانيين والبيزنطيين، وتم إعادة بنائها على يد الإمبراطور البيزنطى جستنيان الأول.
وفى عام ٦٤٨م عندما دخلت المدينة تحت الحكم الإسلامى وزارها الخليفة عمر بن الخطاب، صلى داخل كنيسة المهد وكتب سجلاً للبطريق صفرونيوس بألا يصلى فى هذا الموضع (الكنيسة) من المسلمين إلا رجل بعد رجل ولا يجمع فيها صلاة ولا يؤذن فيها ولا يغير فيها أى شىء.
وعاش أبناء الديانتين المسيحية والإسلامية فى هذه المدينة بروح من الإخاء والتعاون، ومارس أتباعهما شعائرهم الدينية بحرية. ويُعد زمن هارون الرشيد ٧٨٦- ٨٠٩م والدولة الفاطمية ٩٥٢ - ١٠٩٤ من أكثر عهود بيت لحم ازدهاراً، حيث نشطت التجارة واستتب الأمن وأُطلقت الحريات ورُممت الكنائس.
وفى عام ١٠٩٩ تمكّن الصليبيون من السيطرة على المدينة واحتلالها فأزالوا الأرثوذكسية اليونانية واستبدلوها برجال الدين اللاتين الذين أزالهم صلاح الدين الأيوبى عند تحريره لمدينة بيت لحم من أيدى الصليبين. وقد دمر المماليك عام ١٢٥٠ جدران هذه المدينة وتم ترميمها وإعادة بنائها من جديد أثناء حكم العثمانيين، وبعد ذلك سيطرت بريطانيا على المدينة أثناء الحرب العالمية الأولى رغم إصدار الأمم المتحدة خطتها التى تضمنت ضم المدينة للمنطقة الدولية تبعاً لقرار تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧.
وبعد نكبة ١٩٤٨ تم إلحاق المدينة بالأردن، وبعد ذلك احتلتها إسرائيل عام ١٩٦٧ إلا أنها أصبحت تابعة للسلطة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٥.
وتُعد مدينة بيت لحم مصدراً اقتصادياً مهماً، حيث يتردد عليها الزائرون من مختلف بلاد العالم، وخاصة الحجاج المسيحيين، لزيارة كنيسة المهد ومعالمها السياحية، حيث يوجد فيها العديد من المواقع الأثرية، منها برك سيحان وقلعة مراد ودير الجنة المقفلة وتل الفريد يس وآبار النبى داود ومتحف بيتنا اللحمى القديم ودير القديس مار إلياس. ومن أجمل الحرف التى يعيش عليها أبناء بيت لحم واشتهروا بها عالمياً بخلاف صناعة الثوب الفلسطينى المطرز بعدة نماذج فريدة نحت عرق اللؤلؤ الذى يعود للقرن الخامس عشر عندما دخل على يد رهبان فرنسسيسكان من إيطاليا وازداد الطلب على تلك المصنوعات بسبب زيادة أعداد الحجاج المسيحيين، فهل سنعود يوماً لزيارة مدينة الخبز وأشترى ثوباً فلسطينياً وهدايا من عرق اللؤلؤ؟