حوار القوى المهلبية عن الانتخابات البرلمانية
لم يتسنَّ لى حضور الجلسة الأولى من جلسات الحوار المجتمعى حول تعديل القوانين المتعلقة بالانتخابات البرلمانية، لكن الحقيقة أن ما شاهدته فى الجلسة الثانية والثالثة من مشادات وتراشق لفظى ليس بين ممثلى الحكومة والأحزاب، ولكن بين المدعوين بعضهم البعض، من رؤساء الأحزاب والشخصيات العامة، لم يكن مدعاة للمفاجأة، أو حافزاً للصدمة بالنسبة لى، فقد اعتدت هذه المشاهد منذ عدة سنوات، فأتأهب نفسياً قبل حضور أى جلسات من هذا النوع لسماع البدع ورؤية ما لا يسر الناظرين.
فلا يمكن وصف ما دار فى جلسات استطلاع رأى الأحزاب فى التعديلات القانونية للعملية الانتخابية بأنه حوار، وإنما جلسات للفتى المجتمعى، أو بلفظ أرقى «فضفضة ساذجة» ومتجاوزة أدباً فى كثير من الأحيان، وفى أحيان أخرى شكّلت للبعض فرصة للبروز الإعلامى، بإطلاق الترهات الغريبة ليتناولها الإعلام فيظهر اسمه، وبالتالى تتاح له الفرص ليصير سياسياً مرموقاً وأحد المترددين على برامج التوك شو الليلية، وهو ما وضح فى طيات حديث أحد الحاضرين، وهو رئيس حزب مغمور، أخذ يشتكى لرئيس الوزراء من عدم استطاعته الظهور الإعلامى وأن هذا هو السبب الرئيسى وراء ضعف حزبه ومعه بقية الأحزاب السياسية.
فقد ندر فى الحديث المناقشة حول السبب الرئيسى لهذه الجلسات، وهو التعديلات المقترحة لقوانين الانتخابات البرلمانية، حيث كانت ما بين ترجيح المصالح الحزبية الضيقة، أو ثرثرة سفيهة تجاوزت تصوراتها أحكام الدستور وقواعده، فما غلب على الحوار هو التناحر حول مشاكل الأحزاب وتقييمها ومطالب الفئات المجتمعية المختلفة.
فأما عن الأحزاب وتقييمها فأكثر ما كان يستدعى إحدى موجات السخط وتغليظ حناجر جمع من الحاضرين هو الاقتراب من الأحزاب مدحاً أو ذماً، فالشخصيات الحزبية تتحدث عن مظلومية الأحزاب، وكيف يُحملها الجميع مسئولية تردى أدائها السياسى، وأن هذا إجحاف لأحزاب أُسست حديثاً نسبياً إبان ثورة 25 يناير 2011م.. وأما الشخصيات المستقلة فتتحدث عن أحزاب غائبة عن الشارع المصرى، ووُصفت بالهشة والكارتونية والورقية، وغيرها من المصطلحات الشكلية.
ثم يتطرق البعض إلى مناقشة تطلعات الفئات المجتمعية المتعددة بشكل لا يخلو من متاجرة بمعاناة هذه الفئات. فبالفعل كل فئة لديها حجم من المشاكل، لأن الوطن كله يعانى من ميراث الماضى، لكن يتم تصدير مشاكل كل فئة على أنها الأخطر والأولى بالرعاية، فنجد إحدى السيدات الفضليات، وهى رئيسة لحزب منشأ حديثاً، قد ركزت كلماتها للدفاع عن حقوق المرأة، حيث قصت عن لقاء جمعها بالرئيس السيسى أبلغته فيه عن وجود عوار دستورى فى الدستور!! وما درسته فى كلية الحقوق هو إمكانية وجود عوار دستورى فى قانون ما، لكن لم يرد علينا بعد فى الحقل القانونى ما يسمى العوار الدستورى فى الدستور بوصف المرأة بالفئة، وأخذت تقول وتموج، فكيف توصف المرأة بالفئة، فما هذا إلا إهانة للمرأة، ونكران لفضلها على المجتمع.
أما أحد الشباب الذى لم تحن كلمته وفق الترتيب فأخذ يصرخ فى القاعة مستنكراً تأخر كلمته، متحدثاً أنه شاب، ألا تريدون أن تنصتوا للشباب، وأن تعرفوا تطلعات الشباب، ومشاكل الشباب، وأحلام الشباب، وأهداف الشباب، و... الشباب.. الشباب.. إلخ.
فى النهاية.. وقائع هذه الجلسات بالتأكيد ليست مفيدة ولا مهمة فى شىء، وإنما وجب سردها، للتنبه إلى حقيقة ما نحن فيه، فهو انعكاس لتردى الأداء الحزبى والسياسى القائم، فقد اقتربنا من الـ100 حزب سياسى.. بالتأكيد هناك بعض الأحزاب التى لا يتخطى عددها أصابع اليد الواحدة تحاول أن تصنع شيئاً، لم تنجح فيه بعد، فى وجود قوة ضاربة لها فى الشارع، يُقدر بتأييد الملايين وإيمانها بأهداف الحزب وبرنامجه وطموحاته، وهو ما لم ينجح فيه أى حزب قائم الآن، فهناك من جموع الشعب المصرى 800 ألف فقط ينتمون لأحزاب مختلفة، وهى نسبة ضئيلة جداً لا يمكن من خلالها بناء نظام حزبى سليم، فلن ننجح فى صناعة ديمقراطية حقيقية وتعددية وتداول ناجح للسلطة، ولن تستقيم الحياة السياسية إلا باستقامة الحياة الحزبية، فنحن فى أمسّ الحاجة لإجراء حوار مجتمعى جاد لإصلاح بل لإعادة بناء الحياة الحزبية فى مصر وتذليل كافة العقبات التى تواجهها، فتنشأ الأحزاب بشكل مؤسسى، فلا تسمى بشخص صاحب الدكان، ويدفع الحزب دائماً ثمناً سياسياً لمواقف مالكه، ولا يطغى عليه المال السياسى ليتحكم فى سياسات ومواقف الحزب عائله المالى، فتصبح كلمته النافذة فوق أى نظام داخلى أو لائحة للحزب، وهذا ما يفسر أسباب عزوف الشباب عن المشاركة الحزبية.
وختاماً.. عندما يكون لدينا حياة حزبية سليمة ستفرز لنا نخباً سياسية قوية ومعبرة بشكل فعلى عن أطياف الأمة، تتبادل فيما بينها السلطة والمعارضة، وبالتالى عند إجراء أى حوار مجتمعى على شىء.. فلن يكون حوار القوى المهلبية.