صلاح السعدني في «معرض الكتاب»

راجى عامر

راجى عامر

كاتب صحفي

جلس "حسن أرابيسك" دون عمل في ورشته الفارغة يشكي الحال والظروف، ناقمًا على عدم تقدير الزبائن لفن الأرابيسك الذي يجيده، وورث فنونه عن آبائه وجدوده، بينما ورشة نسيبه "رمضان" تمتلئ بالزبائن الراغبين في منتجات الأثاث والبضائع التي يعرضها حتى إذا كانت رديئة الجودة وتفتقر إلى الفن أو الذوق، مفسرًا الأمر بإنه ليس زمن "حسن أرابيسك" إنما زمن "رمضان" وأمثاله ممن يجيدون "لغة السوق" وفهم رغبات الزبائن!

عُرض مسلسل (أرابيسك) -من بطولة الفنان القدير صلاح السعدني الذي قام بدور "حسن أرابيسك"- قبل ثلاث عقود لكن مضمونه لا يزال صالحًا حتى الآن، فلم تكن قضية المسلسل هي أزمة الهوية المصرية فحسب بل يمكن أن نشاهد بداخله الصراع بين القيمة والمادة لذلك لا تتعجب إذا تكررت اليوم أحداثه بعيدًا عن أزقة وحواري الغورية والحسين وخان الخليلي، حيث دارت قصته، فقد تجده بين أجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب!

أصبح من المعتاد بشكل سنوي -وبالتزامن مع انطلاق فعاليات المعرض- أن ترتفع أصوات قطاعات من جمهور السوشيال ميديا ساخرة ومستنكرة صور الطوابير والزحام أمام حفل توقيع كتاب أو رواية لأحد مشاهير السوشيال ميديا، مع تداول صفحات من هذا الكتاب أو تلك الرواية تكشف ضحالة المحتوى وسخافة المضمون.

يمكن تفسير السخرية الحادة التي يواجهها أصحاب هذه الكتابات الرديئة نتيجة للغضب الذي يشعر به البعض بعدما أصبح المقياس الأهم لقبول المؤلفات والأعمال الأدبية وطباعتها وتوزيعها -لدى بعض دور النشر- هو عدد متابعين الكاتب عبر السوشيال ميديا بدلًا من جودة المحتوى أو الرسالة والقيمة المقدمة أو القدرات الإبداعية للكاتب، وكأنهم يؤكدون للجميع منطقهم بإنه ليس من المهم أن تقدم "فنًا" أو إبداعًا يكفي أن تستطيع أن تبيع ما تقدمه، ولسان حالهم بإنه ليس مهمًا أن تصنع "أرابيسك" متقن الصنع أو تحفة فنية جديدة إنما يكفي أن تصنع منتجات خشبية رديئة طالما تستطيع بيعها للزبائن.لم تعد تبحث بعض دور النشر عن فرصة اكتشاف أديب أو شاعر جديد وتقديمه للجمهور أو المساهمة في نشر المعرفة إنما السعي لاقناع "الانفلونسرز" للتحول إلى "كتَّاب" مع سبق الإصرار والترصد على أمل اقتناص مشاهد الطوابير والزحام من متابعيهم.

لا يمثل هؤلاء بالطبع إلا نسبة صغيرة من الكتب الهامة التي تتواجد في معرض الكتاب، ولا تمثل دور النشر هذه إلا النسبة الأقل وسط محاولات أدبية وثقافة تستحق التكريم والاحتفاء لكنها لا تجد المساحة الكافية وسط "تريندات" السوشيال ميديا.

في النهاية ستمر الأيام وتتغير الأحوال وينخفض تأثير "السوشيال ميديا" وتحكمه في توجهات بعض دور النشر لتختفي مشاهد الطوابير أمام رواية رديئة أو كتاب بلا مضمون، ولن يبقى متداولًا ومذكورًا إلا أصحاب الآثر والقيمة من الكتَّاب على اختلافهم وتنوعهم طالما يقدمون علمًا أو فكرًا أو أدبًا.. هؤلاء الذين اجتهدوا في ترجمة كتاب قيم أو البحث وراء معلومة جديدة ليقدمونها للمكتبة المصرية والعربية دونما اهتمام بالتريند أو عدد الطبعات، سيظل في الأذهان كل من ابتدع فكرة محاولًا من خلالها تسليط الضوء على قضية وطرح حلًا لها لخدمة المجتمع.. هؤلاء فقط من سيبقون طويلًا لأنهم ساهموا في بناء المعرفة، حتى إذا ظلمتهم الآن معايير فاسدة للنجاح والقيمة صنعتها "السوشيال ميديا".