التغلب على الشدائد.. طه حسين نموذجا
لا تسير حياة الإنسان على وتيرة واحدة . قد ينعم الفرد بالدعة والراحة لفترة فيعتقد أنها فترة دائمة لكن تفاجئه الخطوب وتقلق راحته، وقد يتقلب في مشاعر القلق والتوتر لأسباب حياتية عديدة لكنه يجد بعد ذلك الهدوء والسلام . خلال تلك التقلبات من برد وسلام إلى نار والتهاب أو العكس كيف يواجه الإنسان ظروف حياته؟
كيف يتشبث بإيمانه وقيمه لاستكمال مسيرته؟ هل يتساوى الناس في قدرتهم على تجاوز الأمواج العاتية التي نقابلها في حياتنا؟ بالطبع لا، بل إن من يمكنهم تجاوز وعبور الأزمات قليل وهم أصحاب الإرادة والعزم الذين يتمسكون بالحياة وبأحلامهم ولا يتركون تلابيب الفرص وبعد هدوء العواصف والأنواء نجدهم يتربعون على قمة الحياة.
أعجبني مقال كتبه الدكتور طه حسين في كتاب يجمع مقالات عدة لبعض الشخصيات العالمية أو المحلية، كتبها بعضهم بنفسه عن مذهب اعتنقه وسار عليه أو كتبه آخرون عنهم وقد أشرف طه حسين على جمع هذه المقالات في كتاب "هذا مذهبي"
وقد كتب عن نفسه ما يلي : " لم أعرف مذهبي في الحياة إلا شيئا فشيئا لأن هذا المذهب لم يتكون إلا قليلا قليلا، فرضته علي ظروف الحياة واستخرجته من أعماق طبيعتي استخراجا بعد أن كان كامنا فيها كمون النار في العود.
وأول ما استكشفت من هذا المذهب خصلة أرى أنها قد صحبتني منذ الصبا وهي الظمأ الشديد إلى المعرفة.
الظمأ الذي لا يطفئه اكتساب العلم وإنما يزيده قوة وشدة والتهابا. فأنا لا أحصل نصيبا من المعرفة إلا أغراني بأن أحصل شيئا آخر أبعد منه مدى وأشد عمقا. وليس في هذا نفسه شئ من الغرابة. فإذا كانت حاجة من عاش لا تنقضي، فحاجة من ذاق المعرفة أشد الحاجات وأعظمها إغراء بالتزيد منها والإمعان فيها.
وأكبر الظن أن هذه الآفة التي ألمت بي في أول الصبا هي التي أذكت في نفسي هذه الجذوة، فهي قد صرفتني عن كثير مما يشغل المبصرين وحرمت علي ألوانا من جدهم ولعبهم، ويسرتني لما خلقت له من الدرس والتحصيل أنفق فيهما من القوة والجهد والنشاط والفراغ ما ينفقه غيري فيما يضطربون فيه وما يختلف عليهم من ألوان الحياة وخطوبها.
لم يكن بد إذن من أوطن نفسي على الفراغ لما أحسنه أو لما ينبغي أن أحسنه من الدرس والتحصيل ما وجدت إليهما سبيلا. كنت مستطيعا كغيري – كما يقول أبو العلاء – لا أذهب ولا أجئ، ولا أغدو ولا أروح، ولا أقرأ ولا أتعلم إلا أن يعنيني على ذلك معين.
وهنا ظهرت خصلة ثانية من هذه الخصال التي ألفت مذهبي في الحياة، وهي الصبر والمغالبة واحتمال المكروه ما وسعني احتماله. فقد صبرت وصابرت واحتملت من ألوان المشقة في الأزهر ما رضيت عنه وما سخطت عليه، ولكن رأيتني مدفوعا إلى شئ من المغامرة لم يكن يدفع إليها أمثالي في تلك الأيام . فمالي لا أختلف مع بعض الصديق إلى دار الكتب لأقرأ فيها من العلم ما يكن الأزهر يسيغه،
ولم أكد استكشف علم القدماء من العرب وأدبهم حتى صرفت إليهما عن الأزهر صرفا . رأيتني ثائرا على الأزهر ودروسه ثورة جامحة لم أحسب لعواقبها حساب . ثم لا أكاد أتصل بالجامعة التي أنشئت في تلك الأيام حتى أكلف بما كان يلقى فيها من درس أشد الكلف . وإذا خصلة ثالثة من مذهبي في الحياة وهي خصلة التصميم على اقتحام العقبات التي تعترض سبيلي إلى العلم مهما تكن أو أموت دونها . وإذا انا مصمم على أن أحصل على علم الجامعة ثم أعبر البحر إلى أوروبا لأطلب العلم هناك .
ورأيتني ذات يوم وقد بلغت ما كنت أتمنى واتيح لي الانتصار على أصعب المصاعب وأشد العقبات عسرا . لم أكن ذا حظ قليل أو كثير من الثراء، ولم يكن يخطر لأسرتي أن تفكر في مثل هذه المغامرة التي كانت تراها إذا سمعتني أتحدث عنها عبثا من العبث وتسليا بالحلام عن مرارة الحياة الواقعة . وأنا اجد في الدرس وآخذ في تعلم لغة أوروبية، وأصل إلى النتيجة التي لم تكن تخطر لأسرتي ولا لبيئتي ولا للذين عرفوني من قرب أو بعد على بال .
وحين بلغت فرنسا أنكرت من حولي كل شئ وكل إنسان وانكرني من حولي كل شئ وكل إنسان أيضا . ولكن الصبر والاحتمال في عزم لا يعرف أناة ولا فتورا أتاحا لي أن أعرف الناس والأشياء وأن يعرفني الناس وتعرفني الأشياء وأن احيا في فرنسا حياة مهما تكن شاقة في أولها فقد أتيح لها اليسر والنجح بعد العامين الأولين .
إن السعادة لم تقدر لمثلي في الحياة، وكيف السبيل إلى السعادة وأنا لم أبلغ شيئا إلا طمحت إلى شئ آخر أبعد منه منالا، ولم أحقق أملا لنفسي وللناس إلا دفعت إلى أمل هو أشق منه تحقيقا، إنما يسعد الناس حين يتاح لهم حظ من الفلسفة لم يتح لي، أو يقضى عليهم بفراغ النفوس والقلوب والعقول، ولم يقض علي بهذا الفراغ " .
إن طه حسين نموذج لم كانت عليه قوة الإرادة و العزم والتصميم على بلوغ آماله وغاياته، وكان يمكنه كما قال أبو العلاء المعري ألا يفعل شيئا ويبقى ساكنا، لكن العميد لم يكن من هذا النوع من البشر، كان جذوة مشتعلة على الدوام، كان يصل الحلم بالحلم ويحقق الأمل تلو الأمل .
إن الإنسان يمكنه أن يحارب الآخر بالسلاح أو يقاتل عدوا أمامه، لكن أصعب الأشياء مواجهة تخاذلك الداخلي والسعي للانتصار على ضعفك الكامن في دخيلة نفسك، وهذا ما فعله طه حسين ويفعله كل ذي عزيمة وإصرار على تحقيق الأحلام.