ماذا تفعل إيران في «الشرق الأوسط»؟

لم تتعامل غالبية شعوب المنطقة وحكوماتها بالجدية المناسبة مع تصريحات للحرس الثورى الإيرانى حول علاقة عملية «طوفان الأقصى» بالانتقام لمقتل قائد فيلق القدس قاسم سليمانى، الذى قضى بضربة جوية أمريكية فى بغداد مطلع 2020، ورغم نفى إيرانى سريع لصحة هذه العلاقة، ورغم تنصل علنى من الحكومة الإيرانية عن علاقتها بالطوفان، لكنها لم تخف أبداً عمق العلاقة بفصيل المقاومة الفلسطينية «حماس» وتسليحه وتدريبه.

وفى كل الأحوال لا يستطيع أحد أن يغض الطرف عن تنامى دور «إيران» فى كثير مما يتعلق ببلادنا العربية، للحد الذى تمادى فيه الجموح الفارسى على سيادة دول عربية كبرى مثل سوريا والعراق، وهو تعدٍ ظهر لنا قبس من فيضه قبل أيام بعد هجمات بصواريخ بالستية على أهداف فى (أربيل) العراق و(إدلب) سوريا، بررت لها إيران بأسباب غير مقنعة للعالم أو للدولتين العربيتين أو إلى أى من دول المنطقة.

إيران فى البيوت العربية

تكرر كثيراً تربع اسمها على قمة «التريند» الدولى والعربى والإقليمى، وأثارت مؤخراً جدلاً كبيراً بين معظم الناطقين باللغة العربية، خاصة المسلمين منهم، بين مرحب ومعترض، بين كاره ومحب، خاصة بعد أن استوعب كثيرون قوة نفوذها ومخاطره منذ طوفان السابع من أكتوبر الماضى، التاريخ الذى يبدو أنه سيكون فارقاً فى تحديد مصائر شعوب المنطقة، التى كانت يوماً ما «عربية»، تحولت منذ سقوط المشروع العربى فى التسعينات إلى «شرق أوسطية».

وربما يأتى يوم تُعرف فيه بأنها المنطقة الواقعة بين الخليج الفارسى وحدود إسرائيل (التى لا نعلم مداها) وبلاد الأتراك، وهم ثلاثة مشروعات أيديولوجية استعمارية انحشر بينهم ما تبقى من حلمنا العربى، وقد أسميتهم فى مقال سابق بـ«الصهاينة الثلاث»، والتعبير لا يحمل أى تجنٍ أو هجوم، بل هو توصيف لمثلث القوى المتصارع على المنطقة، الدول الثلاث التى وجدت على تخوم بلاد العرب وتأسست على مشروع سياسى قوامه الدين.

وتعدى طموحهم حدودهم، وأصبح لكل منهم أذرع إقليمية قوية تتنازع على مقاليد القوى والثروة بالمنطقة، فى وقت تزايدت فيه الفرقة بين ما تبقى من دول عربية مستقرة، وباتت كل دولة تبحث لنفسها عن مكانة وفق أطرها الخاصة، حيث ينتظم بعضهم دبلوماسياً فى علاقات ثنائية تجمعهم مع أى من الدول الثلاث.. تركيا وإسرائيل وإيران، فى خصوصية تربك أى متابع وتدخله فى حيرة، بين مساحات العداء والتوافق الإقليمى فى أى من القضايا أو الصراعات المتنازع عليها.

إيران فى غزة.. وحربها

أتفق مع محرر الشئون الدولية فى «بى بى سى عربى»، الذى قال فى منتصف نوفمبر الماضى: «لو كانت حرب غزة الدائرة الآن مثل كل الحروب السابقة، لكان من المحتمل أن نشهد حالياً وقفاً لإطلاق النار، وأن يستطيع أقارب القتلى دفنهم، ولكانت إسرائيل تتجادل الآن مع الأمم المتحدة حول كمية الأسمنت التى يمكن إدخالها إلى القطاع من أجل إعادة الإعمار. لكن هذه الحرب ليست كذلك. ولا يرجع السبب فى كونها مختلفة فقط إلى كبر وحجم العملية غير المسبوقة التى نفذتها حركة حماس فى السابع من أكتوبر الماضى، وما أعقبها من «انتقام جبار» تمارسه إسرائيل، كما وصفه رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، والذى أدى إلى مقتل الآلاف من المدنيين الفلسطينيين».

أما أسباب اختلاف هذه الحرب عن كل حروب غزة السابقة، وهو ما خلص إليه كثير من المحللين والمفكرين والمهتمين بشئون المنطقة، وبعضهم سبق محرر الـ«بى بى سى» فى تحليله المعتبر الذى نشر تحت عنوان: «حرب غزة: لماذا تختلف عن غيرها من الحروب السابقة؟»، والذى يمكن أن نختصر أسبابه فى كلمة واحدة نكتبها بحروف مضغوطة كى تنتبه العيون العربية الزائغة، «إيران»، الدولة التى غيرت المشهد الجيوسياسى فى منطقة الشرق الأوسط وأعادت رسم خرائطها وفق ما يتراءى لأجندة مصالحها وقدراتها على تنمية أثرها المذهبى والسياسى والعسكرى، والذى خلق ما سمى بـ«محور المقاومة»، الذى جمع كلاً من حزب الله فى لبنان، ونظام الأسد فى سوريا، والحوثيين فى اليمن، وميليشيات عراقية متنوعة تسلحها وتدربها إيران.

كما يدعم الإيرانيون حركتى حماس والجهاد الإسلامى فى غزة، بالإضافة إلى أدوار أخرى يتبلور أثرها فى جزء من الشمال الأفريقى العربى، وبعض نقاط التمركز الأفريقية الأخرى.

صراع غير مفهوم بين الأقوياء

بالطبع ليست إيران هى السبب الوحيد فى استمرار الحرب على غزة حتى اليوم ولأجل غير مسمى، ولكنها المؤثر الأهم الذى تتحرك لأجله كل الرؤوس الكبرى فى هذا المشهد الدموى، فاصطدام المشروعين الإيرانى والإسرائيلى الذى يعد حلقة من حلقات صراع أكبر بين أمريكا وحلفائها الغربيين من ناحية، وبين الصين وروسيا وأتباعهما من المتعاطفين المتعطشين لميلاد نظام عالمى جديد من ناحية أخرى، وهو الصراع الذى تقف فى المساحة المرعبة بين طرفيه، عشرات الدول التى تبحث لها عن طوق نجاة بين المعسكرين، أو تجتهد لحماية مصالحها وحدودها كى لا تسقط تحت أقدام أى من المعسكرين، مثل غزة الضحية الأبرز لتبلور هذا الصراع وتأججه (سبقتها أوكرانيا بعامين)، والتى تدفع هذه المرة من دماء شهدائها ومن دمار مدنها وعمرانها ثمناً لما يجرى فى العالم حولها.

إنه صراع الأقوياء الذى جعل أمريكا فى صفقة مشبوهة تمت فى الصيف الماضى، تفرج لإيران عن 6 مليارات دولار مقابل خمسة رهائن، لتعود بعدها بشهرين لتحرك أسطولها وتمد جسراً عسكرياً جوياً مع إسرائيل لتساندها لإيقاف التمدد الإيرانى بالمنطقة، الذى تجسدت مخاطره بصورة مرعبة بعد أن أنجزت حركة حماس إحدى أذرع «محور المقاومة»، العملية التى زلزلت إسرائيل وهدمت من جديد نظرياتها الأمنية.

المثير للدهشة والعجب، أنه بعد شهر واحد فقط من طوفان الأقصى نشرت وسائل إعلام أمريكية أخباراً فى نوفمبر الماضى عن نية إدارة بايدن تخفيف العقوبات عن إيران بما يسهل وصول مزيد من المليارات إليها فى الوقت الذى يثير فيه وكلاؤها، وبحسب وصف نفس الإدارة، «الفوضى فى جميع أنحاء الشرق الأوسط».

متى ينهار تحالف الازدهار؟

وقد ظهر جلياً اتساع المواجهة بين الغريمين (أمريكا وإيران) بسبب عمليات اعتداء متتالية يقوم بها الحوثيون من اليمن ضد سفن غربية (أمريكية وإسرائيلية)، وهو ما استدعى تكوين ما سمى بـ«تحالف الازدهار» الذى جمع الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر من 20 دولة، لتشكيل قوة حماية بحرية متعددة الجنسيات لدعم حرية الملاحة فى البحر الأحمر، والذى انطلقت أولى عملياته قبل أكثر من أسبوع بضربة جوية نفذها التحالف (أمريكا وبريطانيا) ضد أهداف يمنية، وهو ما أثار غضباً إيرانياً وعربياً كبيراً، فيما تزايدت الضغوط على الإدارة الأمريكية لتسمية «جماعة الحوثى» كمنظمة إرهابية، وهو ما تم بالفعل بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيفها تحت هذا الوصف.

ويأتى هذا التصعيد فى وقت تستعد فيه الولايات الأمريكية لانطلاق السباق الرئاسى المحموم بين بايدن وترامب، الذى ربما يعطل مزيداً من المواجهة مع إيران، أو ربما يصعد منها، لا أحد يملك حسماً لطبيعة الخطوة القادمة بين البلدين، فيما تتحفز إسرائيل وتتأهب وسط توقعات بأن تكون خطوتها القادمة فى لبنان، بعد أن استهلكت منها غزة الكثير من طاقاتها العسكرية والمالية.

وما زالت تتعطش لمزيد من الحسم فى مواجهة المشروع الإيرانى ونفوذه المؤثر والضاغط على الأعصاب الإسرائيلية، والذى ينذر بمواجهة حتمية على ملعب الشرق الأوسط الذى أهلكته الصراعات واستنزفت موارده وطاقات شعوبه، ولا يبدو من أمل قريب إلا من هدن مؤقتة فى أى من ساحات الحرب، من أجل عيون انتخابات متعددة ومؤثرة يستعد العالم لاستقبالها هذا العام فى أكثر من 40 دولة.