لأرض فلسطين

خديجة حمودة

خديجة حمودة

كاتب صحفي

فى ستينات القرن الماضى كانت الجامعات والمدارس المصرية تصطحب طلابها فى رحلات جماعية يتهافت عليها الجميع لزيارة أشهر المدن الفلسطينية ومن هناك كانت الهدايا المميزة التى اشتهرت بها غزة ونابلس وغيرهما، زيت الزيتون والزعتر واللوز ودبس العنب فقد اشتهرت تلك المدن بالعديد من المنتجات الطبيعية نظراً لأنها بلاد زراعية تجارية وتشتهر كل محافظة بمنتج طبيعى معين. ومن أجمل الهدايا التى اعتاد عليها المصريون وأحبوها (صابون نابلسى شاهين) المنتج الأول فى مدينة نابلس الذى يعتمد فى مكونه الرئيسى على زيت الزيتون، ويشتهر بأنه محارب جيد للتجاعيد وحب الشباب، كما أنه قادر على تقشير البشرة والتخلص من العيوب، وهكذا تنافس تلك المدينة الجميلة ذات التاريخ الحافل بالأحداث بيوت التجميل العالمية ومنتجاتها بما تصنعه الجدات والأجداد فى المصانع الصغيرة.

ونابلس لها قصة شيقة بداية من اسمها وأرضها ومبانيها وأهلها بطبيعة الحال، فهذه المدينة من أشهر المدن الفلسطينية ويعود تاريخها إلى ٤٥٠٠ قبل الميلاد، حيث تقع فى شمال الضفة الغربية فى وادٍ بين جبلين هما عيبال وجريح، ويبلغ ارتفاع الأول ٩٤٠ متراً والثانى ٨٧٠ متراً، حيث ترتفع المدينة عن سطح الأرض ٥٥٠ متراً وتبتعد عن مدينة القدس حوالى ٧٠كم وعن مدينة عمان حوالى ١١٤كم. وفى آخر تعداد لسكان مدينة نابلس طبقاً لإحصائية البلدية الفلسطينية حوالى ٣٤٠ ألف نسمة. ولاسم نابلس قصتان تنافسان بعضهما فى الجمال والطرافة والسحر، الأولى تلك القصة التى تقترب من أساطير الزمن القديم حيث يردد سكانها أن الاسم يعود إلى زمن الرومان حيث كان هناك ثعبان ضخم يسمى (لس) يمنع الناس من التنقل خلال المدينة، فقرر السكان القضاء عليه وقتله وقلع نابه وهو ما حدث بالفعل وقام الرجال بعد ذلك بخلع نابه وعلقوه على باب المدينة وسميت منذ هذا اليوم نابلس أى (ناب لس)، والثانية التاريخية العريقة التى تقول إن الكنعانيين أسسوا المدينة أواسط الألفية الثالثة قبل الميلاد عند المدخل الشرقى للمدينة الحالية وكانت تسمى حينها «شكيم» أى المكان المرتفع ثم استقر الرومان بعد الميلاد فيها وهدموا مدينة شكيم بالكامل وبنى إمبراطور الرومان «قسبازيان» مدينة نابلس الحالية وسمّاها «نيابوليس» أى المدينة الجديدة ثم حرفت الكلمة إلى نابلس. وقد دخلت مدينة نابلس تحت الحكم الإسلامى كباقى بلاد الشام فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه على يد عمرو بن العاص ثم احتلها الصليبيون عام ١٠٩٩م وبقيت تحت حكمهم إلى أن حررها صلاح الدين الأيوبى عام ١١٨٧ بعد حروبه مع الصليبيين. ثم ازدهرت مدينة نابلس فى عهد المماليك الذين حكموا المدينة بعد الأيوبيين.

وقد وقعت بعد ذلك تحت حكم الأتراك العثمانيين إلى أن وقعت تحت الاحتلال البريطانى عام ١٩١٧ ثم أصبحت جزءاً من المملكة الأردنية بعد وحدة الضفتين عام ١٩٥٠، وقد استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلى على المدينة عام ١٩٦٧ إلى أن أصبحت من المدن المحررة عام ١٩٩٥م بعد اتفاقية أوسلو ثم أعيد احتلالها عام ٢٠٢٢. وتمتلك نابلس موقعاً مميزاً وفريداً كتاريخها، حيث تقع فى منطقة غنية بينابيع المياه العذبة وسط فلسطين على واد مستطيل الشكل يمتد من الشرق إلى الغرب وتقع بين جبلى عيبال وجرزيم. وتطل فتحة وادى نابلس الشرقية على الغور المسمى باسمها وهو الغور النابلسى الممتد حتى نهر الأردن فى حين تمتد فتحة واديها الغربية حتى وادى التفاح الممتد إلى وادى الزمير عند طولكرم، وتمتد جبالها الشمالية شمالاً لتنتهى جنوب مرج بن عامر قرب حنين بينما تمتد جبالها الجنوبية جنوباً لتتصل بجبال القدس اتصالاً مباشراً حيث لا توجد حدود طبيعية تفصلها عن بعضها.

وتنافس موقع المدينة المميز حياتها الاقتصادية حيث تعد نابلس من أهم المدن الفلسطينية من الناحية الصناعية وتتعدد الصناعات فى نابلس وتتنوع ومن أهمها صناعة الزيتون والزيوت النباتية وزيت الزيتون وزيت السمسم وصناعة الصابون النابلسى والمنظفات والأغذية والمشروبات والغزل والنسيج والحلوى وعلى رأسها الكنافة النابلسية، ومن أهم محاصيلها الحمضيات والزيتون والمكسرات.

أما أسواق نابلس فهى قبلة الزائرين والباحثين عن العراقة والتاريخ فمن أشهر أحيائها حى القصبة التراثى الذى يوجد فيه المسجد الصلاحى الذى سمى نسبة للمحرر صلاح الدين الأيوبى وقد تعرض لاعتداءات كثيرة من اليهود.

وفى العصبية ومقابل المسجد يوجد سبيل ماء لعابرى السبيل وضعت عليه يافطة تقول (أنشأ وأوقف هذا السبيل أحد أفراد آل الصلاحى الذين عاشوا فى نابلس فى القرن السابع عشر الميلادى وقد قامت بلدية نابلس بإصلاحه عام ١٩٨٧ - ٢٠١٠) بمنحة البنك الإسلامى للتنمية. ولا تقتصر الأماكن التراثية فى نابلس على ما ذكر فقط، فهناك حى القصبة قلب المدينة التجارى بما يضم من أمكنة تراثية وتاريخية تتحدث وتحكى وتقول «يا مسافر لأرض فلسطين لا تنس هدية من نابلس».