المشاركة المصرية في المقاومة الفلسطينية
عاشت مصر وفلسطين منذ آلاف السنين أمتان ودولتان متجاورتان يتشاركان في المسرات والمضرات سواء كان ذلك في العصور القديمة أو العصور الوسطى بعد أن صارت الدولتان مسلمتان، وكان في غالبية الأوقات يحكمهما نفس الحاكم باعتبار أن الشام وفلسطين جزء منه ومصر دولة واحدة غالبية الأحيان، وكذلك في العصر الحديث.
اختلطت دماء أبناء الشعبين في الحروب أو بالزواج خاصة أبناء غزة التي كانت في وقت من الأوقات جزء من مصر، ليس احتلالا وإنما رعاية مصرية للقطاع الذي كانت ترعاه رسميا.
في غزة يشعر المواطنون أنهم مصريون معنويا وأنهم ينتمون إلى نفس الثقافة ونفس التقاليد والأعراف بحكم ما مر عليهم من زمن اختلطوا في بالمصريين.
نسبة كبيرة منهم تعلموا في مصر ومنهم الزعيم الفلسطيني التاريخي ياسر عرفات الذي ولد ونشأ وتعلم في مصر.
شاهدت مؤخرا فيديو لجزء من خطبة للزعيم الراحل جمال عبد الناصر عام 1962 يتحدث عن فلسطين، وأفضل أن أنقل حديثه كاقتباس بدون تدخل إلا قليلا، قال: نشعر أن تربة فلسطين هي تربة مصر، وهي تربة العروبة كلها، وأن الأرض العربية لا يمكن أن تنفصل أو تختلف بأي حال من الأحوال.
سنة 1947 رحنا تطوعنا، أنا كنت أحد الناس اللي تطوعوا قبل الحكومة ما تعلن علشان ننظم الدفاع عن القرى الفلسطينية، قبل الجيش ما يدخل رسمي، فيه ضباط وقوات راحت تطوعت منها كمال حسين راح تطوع وحارب، ليه الواحد يتطوع، يتطوع عندما يشعر إن دي جزء من دمه إن أرض فلسطين جزء من روحه جزء من أرضه مستعد إنه يبذل فيها روحه مستعد إنه يبذل فيها دمه.
بعد سنة 48 أما رجعنا كنا بنسمع كلام: إحنا جالنا إيه من العرب إلا الخيانة كلنا كنا بسنمع هذا الكلام أنا كنت بسمع هذا الكلام، بس هل هم العرب اللي خانونا واللا بعض الحكام وهولاء ليسوا هم العرب، هم عملاء للاستعمار، أما العرب فكانوا بيضحوا وبيُقتلوا وبيموتوا في ميدان المعركة قدام عينينا، العرب همة الشعب العربي وليس هذا او ذاك من الحكام.
مارس عبد الناصر وبعض الضباط النشاط الفدائي وساهموا في تدريب قوات فدائية فلسطينية وكانت غزة تعتبر عبد الناصر بعد توليه المسئولية في مصر هو رئيسها وزعيمها.
لم يقتصر العمل الفدائي المصري على مجموعة متطوعة او لجولة واحدة، بدأ العمل الفدائي بعد أن انتصرت العصابات الصهيونية على سبعة جيوش عربية وأطلق عليهم الصهاينة "الأصفار السبعة".
بعد قيام ثورة يوليو اتخذت قيادة ثورة يوليو قرارا يصفه الفلسطينيون بالقرار العظيم، تم تعيين المقدم مصطفى حافظ البطل المقدام الشجاع قائدا عاما للوحدات الفدائية في فلسطين.
عمل حافظ ليل نهار في صمت لإعداد أول مجموعة فدائية من طلائع الشعب الفلسطيني وجهز أول معسكر سري للتدريب على العمليات الفدائية.
كان الإقبال على تنظيم العمل الفدائي كافيا لإقناع حافظ بإمكانية النجاح.
توافد ثوار 1936 و1948 وتسابقوا للتطوع في ساحة الشرف والبطولة.
في أشهر محدودة تم تدريب مئات الفدائيين ممن على علم بمسالك الطرق والمناطق وأماكن التجمعات العمالية قبل النكبة.
أثناء فترة التدريب تم تكليف الفدائيين بعمليات محدودة داخل الأرض المحتلة لاختبار مدى إقدام الطلائع على التضحية وبقصد استطلاع أحوال العدو وإرهابه.
تفاصيل إعداد الفدائيين وتدريبهم على العمليات الفدائية كثيرة قادها الضابط المصري، المقدم مصطفى حافظ، ومن هنا بدأت حرب الفدائيين بشكل منظم تحت قيادة استراتيجية واحدة تخطط وتحدد زمن ونوع العمل، وقيادات تكتيكية حسب ما تحتمه الخطة السرية لاستمرار العمل.
وكان للمقاومة الفلسطينية صحف تصدر عن المقاومين الفدائيين، كتبت إحداها تهاجم المواطنين الذين يتركون وطنهم وينزحون إلى الدول العربية المجاورة : "إن الرحيل عن أرض الوطن جريمة لا يمكن تبريرها، لأنها تعني الانزلاق إلى مخطط الاستعمار والصهيونية".
صحيح أن سلطات الاحتلال تمارس مختلف أنواع القهر والإرهاب ضد أبناء شعبنا، وصحيح أن هناك أزمة اقتصادية خانقة لازمت وجود الاحتلال، لكن ذلك كله لا يشكل أسبابا كافية لأن نترك أرض الوطن ونسمح للاستعمار والصهيونية بتكرار مأساة سنة 1948.
من أهم القوانين الاستراتيجية أن القوات الفدائية يمكنها أن تنتصر في الحرب على الجيوش النظامية.
وأن الفدائي لا يضحي بحياته إلا في سبيل هدف "سامي"، وأن عظمة الفدائي في تصميمه الذي لا يتزعزع على القتال والصمود في وجه عدو أكبر وأعتى تسليحا.
يقول سان جوست زعيم اليعاقبة أثناء الثورة الفرنسية : "إذا خرج كل امرئ من كوخه وبندقيته في يده، فإن الوطن لن يلبث أن يتحرر".