محمود حميدة.. فارس المدينة

أشرف شرف

أشرف شرف

كاتب صحفي

الكتابة عمن نحب مرهقة جدا، ومن واقع تجارب مريرة لي ولغيري، اعترف أنّ تأخير الاعتراف بالحب الكبير والمحبة الخالصة تكاد أن تكون لعنة كبيرة، لذا يجب أن نقول لمن نحبهم طوال الوقت وبصوت عال «بنحبكم»، لذا في هذا المقال أعترف بحبي الكبير والشديد لنجم من العيار الثقيل بل من وجهة نظري أنّ السينما المصرية وفنها السابع لم تنل منه حتى الآن ربع موهبته لأسباب لا مجال لذكرها، إنّه الممثل الكبير محمود حميدة أو فارس المدينة، ذلك الفيلم الذي يحمل توقيعه كبطل مطلق على الشاشة الكبيرة لأول مرة، كما أنّه يكمل اليوم عامه الـ70، فهو المولود في السابع من ديسمبر لعام 1953، كما أنّه يحمل اسم جده فاسمه بالكامل محمود حسن محمود حميدة، ومن الواضح أنّه لا يحمل اسم جده فقط إنّما صفاته وطباعه.

كما إنّني على يقين بأنّ الألقاب لا تمنح صدفة، لذا «حميدة» يستحق وعن جدارة لقب «فارس المدينة»، فصفاته وأخلاقه تشبه أخلاق الفرسان، وهناك قصة لا يعرفها الكثير عن كيفية حصوله على بطولة فيلم «فارس المدينة»، من تأليف السيناريست الكبير الراحل فايزغالي، وهي أنّ المخرج الكبير محمد خان رشح لبطولة الفيلم في البداية أحمد زكي، لكن وقع بينهما خلاف كعادتهما فقام خان باستبعاده، ثم عرض السيناريو علي الساحر محمود عبدالعزيز، الذي يحمل من وجهة نظري ملك الاعتذارت عن الأعمال الفنية التي لا وقت لسردها الآن، المهم «خان» أخبر «حميدة» بأنّ السيناريو في حوزة «عبدالعزيز» حال موافقته على الدور «هيمشيه» كما يقولون بـ«البلدي».

اعتذر «محمود حميدة» عن هذا الفيلم أو لم يرد «عبدالعزيز» على «خان» كتعبير أدق، فأصبح «محمود حميدة» بين ليلة وضحاها هو بطلا لـ«فارس المدينة».

لم يتوقف السيناريست الراحل فايز غالي عن دعم «حميدة» ليتألق في السينما، لذا رشحه أيضا للمشاركة في بطولة فيلم «الإمبراطور» مع أحمد زكي، ورغدة في أولى تجارب طارق العريان السينمائية كمخرج، ليقدم «حميدة» أيضا واحدا من أهم أدواره على مدار مشواره السينمائي، وأصبح هذا الفيلم يمثل نقطة انطلاق كبرى له فيما بعد.

محمود حميدة يعترف بأنّه سينمائي بالأساس، لذا يأتي التليفزيون في مشواره الفني الذي بدأ في الثمانينيات من القرن الماضي بمرتبة متأخرة، لذا قدّم فيه بعض التجارب القليلة كما أنّها من وجهه نظري لم تضف له، لأن تركيزه الأول وعشقه الأبدي «السينما»، كما قال لي ذات مساء معترفا بصراحته المعهودة بأنّه لا يحب التليفزيون.

محمود حميدة أول فنان في العالم العربي وربما في العالم كله يصدر مجلة للسينما وعشاقها تحمل اسم «الفن السابع»، مجلة لم تهدف يوما للربح، إنّما مطبوعة عن السينما ولها.

محمود حميدة أيضا هو أول ممثل مصري يفتتح مدرسة لتعليم التمثيل، بوجود أساتذة متخصصين بينهم «خواجة» دفع تكاليفه ومصاريف إقامته من جيبه الخاص، وللأسف توقفت تلك المدرسة بعد عدة سنوات لأسباب يطول شرحها، كما أنّ هناك سر آخر أخبرني به «حميدة» ذات مساء، وهو أنّه كان سعيدا حينما كتب في بطاقته الشخصية في خانة المهنة «ممثل»، هو ليس مجرد ممثل عادي بل هو مشخصاتي نادر إن جاز التعبير.

محمود حميدة مغامر في الحياة، وضعفها في السينما، لذا تجده في أدواره لا توجد أي حسابات سوى الجرأة والدعم، فعلى سبيل المثال علاقته بالمخرج الكبير الراحل أسامة فوزي كانت مختلفة، بدأت حينما ذهب إليه «فوزي» منهارا وأخبره بالحقيقة كاملة بأنّ كل نجوم الصف الأول في مصر تخوفوا منه ولم يتحمسوا له كمخرج في تجربته السينمائية الأولى بفيلم «عفاريت الأسفلت» الذي شاركته بطولته الفنانة «سلوى خطاب»، كما أنّ «فوزي» أخبره أنّ هناك بعض التعنت من الرقابة على المصنفات الفنية بل وتم رفض السيناريو 3 مرات كأقل تقدير، الغريب في الأمر أنّ «حميدة» وافق على السيناريو دعما لـ«فوزي» ولإيمانه الكبير بموهبته، كما قرر عدم تقاضي أي أجر عن هذا الدور، لك أن تتخيل تلك الجرأة من نجم حقق نجاحات في السينما، كونه لم يخف من المشاركة في هذا الفيلم لكاتب لأول مرة وهو «مصطفى ذكري»، ومخرج جديد وهو «أسامة فوزي».

وهناك قصة غريبة لفيلم «جنة الشياطين» الذي قرأه «حميدة» في الطائرة المتجهة من القاهرة إلى تونس بصحبة «فوزي»، الذي طلب منه أن يقرأ السيناريو ويعطيه رأيه فيه، وأخبره أنّ المرشح لدور «طبل» بطل الفيلم «عمر الشريف»، لكن حينما قرأ «حميدة» جملة فيلم «جنة الشياطين» المأخوذ عن رواية الرجل الذي مات مرتين لـ«جورج أمادو» مع الإضافة والحذف والتشويه ضحك كثيرا، وتحمس وقتها كمنتج وليس كممثل، وأرسل السيناريو للنجم العالمي «عمر الشريف» لكنه لم يرد، لذا فكر «فوزي» في «حميدة» كبطل لهذا الفيلم بعد أن ظل 5 سنوات بعد فيلمه الأول «عفاريت الأسفلت».

محمود حميدة المغامر اعترف بأنّه خسر نحو مليوني جنيه بسبب إنتاج الفيلم، فضلا عن كسر سنتين من أسنانه لتأدية الدور، وغيرها من الأسرار والكواليس التي لم تنشر بعد عن مشوار فارس مدينة السينما.

لكن اليوم أكتب في عيد ميلاد «محمود حميدة» أدام الله بقاءه وبهاءه.