إسرائيل وحماس.. لكمة أم ضربة قاضية؟
(1)
حين تنتهى صدمة عملية طوفان الأقصى فى الداخل الإسرائيلى، سيصبح لزاماً على الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تقديم تفسيرات لمواطنيها عما حدث، ولماذا حدث؟ ولماذا لم تستطع هذه الأجهزة التنبؤ به والتعامل معه؟
بالأرقام، عدد قتلى إسرائيل وأسراها هذه المرة أكبر من عدد قتلى هجمات «حماس» مجتمعة على إسرائيل منذ 2007.
عدد الصواريخ التى أطلقتها «حماس» يومى 7-8 أكتوبر وصل إلى 3200 صاروخ. هذا الرقم أكبر من عدد الصواريخ التى أطلقتها «حماس» على إسرائيل فى أى عام، باستثناء عامى 2014 و2021.
باليقين، جزء من صلابة المجتمع الإسرائيلى هو ما تطرحه الأجهزة الإسرائيلية بوصفها مصدر الحماية لكل من يعيش داخل مسارح سيطرتها، حتى وإن كانت مسارح محتلة.
هذه السردية، التى تسعى إسرائيل لترميمها، منذ حرب 1973، هى اليوم على المحك.
كل الشواهد تقول إننا أمام فشل استخباراتى إسرائيلى.
عملية شارك فيها مئات المقاتلين، براً وبحراً وجواً، استهدفت 22 نقطة اشتباك، مؤكد جرى التحضير لها لفترة زمنية طويلة، فى 3 نقاط على الأقل، بينها اثنتان خارج حدود غزة، وفقاً لبعض التقديرات، دون أن يلتقطها عملاء إسرائيل ولا أى من أجهزة تتبعها، رغم حداثتها.
دائرة المعرفة والتقاط المعلومات كانت واسعة، لكن أجهزة تل أبيب أخفقت فى التعاطى معها.
كلفت هجمات 11 سبتمبر 2001 ما يقرب من 850 ألف دولار، وفقاً لبعض التقديرات. فى الوضع الراهن، وفى الظروف الاقتصادية العالمية، مؤكد أن عملية كهذه، التى قامت بها «حماس»، تجاوزت تكلفتها المليون دولار.
وبغضّ النظر عن الفارق بين «حماس» و«القاعدة» واختلاف توصيف ما قامت به «حماس» عن «القاعدة»، فإن نجاحها فى تمرير مليون دولار لداخل القطاع، رغم الحصار، واستغلاله فى التسليح والتدريب، يكشف حجم الفشل الأمنى الإسرائيلى.
فى كل الأجهزة الاستخباراتية فى العالم رجال يوصفون بأنهم رجال السياسات الدقيقة، يعملون على قائمة من التهديدات القائمة والمحتملة لدولهم، يقدمون تحذيرات دقيقة حول عمليات بعينها، وفقاً لقائمة الخصوم، التى يعملون عليها.
أحد أشهر الأمثلة على هذا الفشل، إخفاق رجال السياسات الدقيقة فى المخابرات الأمريكية فى كشف عملية 11 سبتمبر.
رجال السياسات الدقيقة لا يقولون نحن نتعرض لتهديدات، بصورة عامة. لا بد وأن يقدموا معلومات قاطعة حول أى تهديد.
فى الحالة الإسرائيلية نحن أما سيناريوهين: الأول أن رجال المهام الدقيقة لم يعلموا شيئاً عن «طوفان الأقصى» نتيجة أن تقييم الاستخبارات للوضع فى غزة كان مشحوناً بالسياسة. الثانى، أنهم أخبروا المستويات العليا، لكنها لم تتفاعل مع المسألة.
ثالث شواهد هذا الفشل الكبير يتمثل فى عجز محللى الأجهزة فى إسرائيل عن تشريح التدريبات القتالية التى تُعد عملية طوفان الأقصى تطبيقاً عملياً لها، والبيانات التى قامت بها «حماس»، طيلة الفترة الماضية، ووضعها موضع التحذيرات القائمة والأخطار المحتملة.
جزء من فشل إسرائيل فى هذه العملية، عدم قدرتها على تجنيد عناصر بشرية فى داخل قطاع غزة لأسباب عدة، فى مقدمتها نظرة المواطن فى القطاع للاحتلال، واعتمادها على الذكاء الاصطناعى بصورة أكبر كمصدر موثوق به فى جمع المعلومات.
أثبتت هذه العملية أن الذكاء الاصطناعى، مهما يكن، أهميته لا تضاهى العملاء التقليديين فى جمع المعلومات.
«حماس» تدرك دوماً أنها تحت يد الرقيب الإسرائيلى، خصوصاً فى مسألة الاتصالات.
تشير الشواهد إلى أن «حماس» استخدمت خطوط الاتصالات المراقبة فى تمرير رسائل خداع للمُراقِب، خدّرت بها الأجهزة الإسرائيلية، بينما كانت تستخدم خطوطاً خلفية فى الترتيب والإعداد للعملية.
(2)
لماذا نفذت «حماس» عملية من هذا النوع؟
جاءت «حماس» إلى السلطة فى القطاع، بعد انسحاب إسرائيل من 21 مستوطنة فى 2005.
خاض الطرفان عدة جولات من الصراع، أبرزها فى 2006 و2008 و2014، لنفس الأسباب: توسع إسرائيلى وفرض الأمر الواقع.
التهديد الحالى والمستقبلى، الذى يواجه إسرائيل، هو صناعة ذاتية.
هذه حالة إطلاق رصاص إلى الخلف، على صدر من يطلقها.
هذا التهديد القائم والقادم وصل ذروته مع تنامى دور اليمين فى الداخل الإسرائيلى.
تهديد مدفوع بفشل إسرائيلى فى توفير دولة حقيقية للفلسطينيين أو الأمن والفرص الاقتصادية والسياسية المتساوية.
لأكثر من نصف قرن، وبدلاً من إقامة دولة فلسطينية مستقلة، يعيش الفلسطينيون فى شتات داخل الأراضى الفلسطينية.
تشير بعض التقديرات إلى وجود حوالى 1.9 مليون فلسطينى فى الأراضى التى تقول إسرائيل إنها تقع فى نطاق دولتها، وأكثر من مليونى فلسطينى فى الضفة الغربية، وما يقرب من 2.3 مليون فى قطاع غزة.
لكل من هذه التكتلات أسبابه فى الصدام والتوتر مع إسرائيل، سواء بالتضييق الأمنى أو التعامل بعنصرية مع المقدسات الدينية، لكن حالة قطاع غزة فى قمة هرم هذه التوترات.
تبلغ مساحة قطاع غزة 360 كيلومتراً. ترتبط بحدود 59 كيلومتراً مع إسرائيل، وما يقرب من 13 كيلومتراً مع مصر، بالإضافة لشريط بحرى طوله 40 كيلومتراً، تسيطر عليه إسرائيل أيضاً.
المنفذ الوحيد لأهالى القطاع معبر رفح البرى، الذى لم تغلقه الدولة المصرية، فى أى وقت، رغم التحديات الأمنية، طيلة الفترة الماضية.
غزة واحدة من أكثر المناطق السكنية اكتظاظاً بالسكان فى العالم. يبلغ معدل السكان 5.9 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، ولديها أكبر عدد من الأطفال والشباب، مقارنة بأى منطقة أو بلد آخر فى العالم، بالنسبة لحجمها.
خلال الربع الثانى من عام 2022، وصل معدل البطالة بها 44%. الوظائف، التى كان من الممكن أن توفرها إسرائيل، حدت منها الأجهزة الأمنية بصورة كبيرة.
تشير بيانات وكالة المخابرات المركزية (CIA) إلى أن دخل الفرد فى غزة يبلغ حوالى 6200 دولار سنوياً، إلا أنه انخفض بصورة كبيرة، منذ عام 2017.
لا تمتلك غزة أية صناعات أو صادرات، وتعتمد على إسرائيل فى الحصول على معظم احتياجاتها من مياه الشرب والكهرباء والاتصالات.
تشكل مساحات محاصيلها الصغيرة جزءاً من المنطقة الأمنية الإسرائيلية، وتعتمد بشكل مباشر على المساعدات الخارجية بنسبة 50%، ويتلقى 20% آخرون بعض المساعدات.
استراتيجياً، تساعد هذه الظروف فى إشعال جذوة الصراع دائماً.
وفى ظل تراجع دور السلطة الفلسطينية، والنظر إليها من قبَل أهالى القطاع بوصفها حكومة مجوفة، وانسداد أى مسار سياسى تفاوضى، ستظل «حماس» دائماً فى صدارة المشهد.
سيبقى الصدام الخيار الوحيد، وصعوده وهبوطه سيظل مرهوناً بحجم التوسع الإسرائيلى فى التضييق على أهالى القطاع أو التوسع الاستيطانى فى الضفة الغربية وفرض القيود على المقدسات الدينية.
(3)
هل تجتاح إسرائيل غزة برياً بصورة كاملة؟
صحيح أن عملية الغزو البرى الإسرائيلى شديدة التعقيد لأمور تفصيلية متعددة، من بينها الكلفة البشرية الكبيرة، التى ربما لا تتحملها إسرائيل (آخر محاولة للغزو البرى فى 2014، قُتل فيها 66 جندياً من جيش الاحتلال)، لكن الصحيح أو الأكثر خطورة هى سيناريوهات التلويح باستخدام الغزو البرى:
أولاً: فى حالة تراجعت إسرائيل، ستقدم «حماس» نفسها بوصفها منتصرة عسكرياً، وسيصبح لزاماً على إسرائيل الرد، بكل الوسائل والطرق، بالتبعية ستتزايد أعداد الشهداء.
ثانياً: إذا نجح الغزو البرى، رغم التكلفة المتوقعة، ستصبح إسرائيل مضطرة لإدارة القطاع، لأنه لا يوجد كيان بديل لحماس، مع انخفاض أسهم السلطة، داخل القطاع.
بالتبعية ستتزايد حدة الهجمات والمواجهات والضغط المتواصل على العالم، باعتبار القضية كرة نار شديدة الالتهاب.
ربما تتدخل أطرف أخرى فى المشهد وتتسع رقعة الحرب.
وربما تطلب إسرائيل إدارة دولية للقطاع، إذا ما أصبح المواطن الإسرائيلى هدفاً فى أى رقعة فى العالم.
حتى الآن، سيناريوهات العملية القائمة مفتوحة على لا نهايات مرعبة.
أكثر السيناريوهات تفاؤلاً توسيع نطاق المنطقة الأمنية الإسرائيلية القائمة، من 200 متر داخل القطاع إلى ما يقرب من 1000 متر، بحيث يصبح 25% من مساحة القطاع داخل هذه المنطقة كحل مؤقت، قبل أن يشتعل الصراع مستقبلاً، طالما بقيت أسبابه قائمة، وطالما بقيت إسرائيل تغير التاريخ بالجغرافيا.