مئوية أسطورة الصحافة

عشت فترة الستينات والسبعينات وأنا وجيلى كله، من يتفق معه ومن يختلف، نجد الحقيقة فى كتاباته كما يدل عنوانها «بصراحة»، طبعاً عرفتم جميعاً أن صاحب هذه الراية التى تكلف قائلها ثمناً باهظاً أحياناً، رفع شعارها الأستاذ محمد حسنين هيكل الذى احتفلنا بمئويته منذ أيام والذى تزداد مكانته فى القلوب وأيضاً فى العقول بمرور الأيام.

من أروع ما أعلنه الأستاذ واتخذته شعاراً يستحق الدفاع عنه حتى بالحياة «لست مع الشجاعة الفائقة أمام القبور والتى يقابلها نقص هائل فى الشجاعة أمام القصور».. يا إلهى، بلاغة رائعة تلخص فى كلمتين منهج حياة الشرفاء وتدين من ملأوا الدنيا ضجيجاً بأصواتهم المزعجة، مديحاً فى الحاكم أو صاحب السلطة أو المال، وهم على قيد الحياة، مما أسهم فى أغلب الأحيان فى استمرار طغيان هؤلاء وظلمهم، واستفادة، الجبناء الذين يمدحونهم، وما إن يغيّب الموت أحدهم، وينتقل من، القصور إلى القبور، إلا ويخرج علينا، سريعاً من كانوا يكيلون المديح والإشادة بالأمس، إلى «اكتشاف!!!» خبايا مخزية، بعضها قد يكون حقيقياً والأغلب الباقى من اختلاق أصحاب الشجاعة الفائقة أمام القبور.

لقد كان الأستاذ هيكل نموذجاً مضيئاً لحامل أمانة الكلمة، وكنا ننتظر يوم الجمعة بفارغ الصبر للاطلاع على مقاله الأسبوعى «بصراحة» لندرك حقيقة ما يحيط بنا على الصعيد الوطنى والإقليمى والدولى، ونحدد موقفنا على ضوء ما يوضحه لنا الأستاذ.

وأتذكر، وأنا أضحك حتى الآن، موقفاً للساخر الكبير الراحل محمود السعدنى تعليقه على صدور كتاب الأستاذ هيكل، «لمصر لا لعبدالناصر» الذى كتبه وأصدره فى ظل حكم الرئيس أنور السادات، وفيه دفاع عن حقبة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر وكيف كانت مصر تحقق إنجازات فى مختلف المجالات، ومنها الصناعية، وكيف عمل بعض أقطاب النظام على تصفية هذه الإنجازات، بضراوة حقيقية.. قال السعدنى إنه مبهور بشجاعة هيكل الذى كتب هذا الرأى فى ظل حكم الرئيس السادات، وهو، أى الأستاذ، في مصر.. أما أنا، قال السعدنى بخفة ظله المعروفة، ما كان يمكننى إصدار مثل هذا الكتاب، إلا بعد أن أضمن أن بينى وبين السادات ما لا يقل عن خمسة آلاف ميل.. وبقليل من التأمل نجد أن السعدنى تحدث عن أمور كانت تجرى، لا سيما ما عرف بالانفتاح الاقتصادى، الذى وصفه كاتبنا الكبير الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين بـ«الانفتاح السداح مداح».

بعد موقف السعدنى الكوميدى هذا استعدت عبارة الأستاذ عن الشجاعة الفائقة أمام القبور ونقص هذه الشجاعة الهائل أمام القصور.. ومن أجمل وأعز ما مر بى، أن عرفنى الأديبان الكبيران الصديقان جمال الغيطانى ويوسف القعيد، بالأستاذ لإعطائى شرف إجراء حوار معه للإذاعة التى كنت أعمل بها فى باريس، وذهلت عندما قال لى إنه يتابعنى، كدت أطير من الفرح، وقد كان لهذا الحوار دوى القنبلة فى حينه، غير أن الأستاذ منحنى وساماً غالياً، بل غالياً جداً، عندما طلبت منه قراءة مجموعتى القصصية «عبارة غزل» فكتب كلمات ما زلت أتأثر بها حتى الآن ولا أنسى كيف «حسدنى» بضحك طبعاً، الراحل الحبيب جمال الغيطانى والأخ الحبيب يوسف القعيد، لأن الأستاذ خصنى بمقدمة لمجموعة قصصية، بينما لم يسبق أن قدم غير الأعمال السياسية.

طبعا كنا نضحك من مشاغبات الأديبين العملاقين، ورحل الأستاذ بجسده، لكنه، وكما شاهدنا جميعاً فى الاحتفال بمئويته ما زال يعيش فى الوجدان المصرى والعالمى كنموذج لشجاعة الكلمة والموقف وأثق أنه سيظل كذلك مدى الدهر.