حياة كريمة.. في البلد..!

مجهود كبير ذلك الذى تقوم به مبادرة حياة كريمة فى قرى ونجوع مصر.. مجهود لا يمكن أن يشعر به سوى من يعيش وسط هذه القرى ويعرف ما كانت عليه وما كانت تعانى منه بنيتها التحتية منذ زمن ليس بالقصير..!

مجهود ترى أثره فى وجوه أهل هذه القرى حين يأتى الحديث حول المبادرة.. تلك السعادة التى يتحدث بها البعض بأن قريته قد تم اختيارها لتدخل ضمن مشروعات المبادرة.. وتلك الغبطة الممتزجة بالحسرة وربما الغضب من البعض الآخر الذى لم يقع الاختيار على قريته لتكون ضمن قرى المرحلة الأولى..!

فى صعيد مصر يمكنك أن تكتشف أثر المبادرة جلياً واضحاً.. يمكنك أن تلمح تلك المبانى الجديدة التى تحمل شعار المبادرة وهى تنتشر بشكل لا يمكن إهماله أو تجاوزه.. تلك الطموحات التى ارتفع سقفها بين المواطنين الذين لم يجرؤوا يوماً أن يحلموا بكل ما يتم فى قريتهم..!

إحدى السيدات الفضليات التى كانت تساهم فى صنع بعض الصدقات الجارية كأسقف المنازل ووصلات المياه بالقرى الفقيرة أفصحت أنها لم تعد تجد فرصة لما كانت تفعله.. وأن مشروع حياة كريمة أصبح يفعل كل شىء تقريباً ويسلم الناس منازل كاملة التشطيب وفى زمن قياسى..!

الخبرة نفسها بلغتنى من مصادر أخرى لبعض المساهمين فى أعمال الخير كتوصيل المياه النظيفة أو الصرف الصحى فى بعض القرى بصعيد مصر.. مما يشى أن الأمر قد أصبح حالة عامة لمسها الجميع بالفعل..!

أجمل ما فى المبادرة أنها تحمل قدراً غير قليل من المصداقية أمام النفس أولاً قبل الآخرين.. هى مبادرة فريدة.. وسر تفردها أن النظام بات يعترف بهؤلاء الذين يقعون تحت خط الفقر بهذا الوطن.. ويقر فيها أنهم يحتاجون حتماً - ويستحقون قطعاً - أن يحيوا حياة آدمية كريمة.. وأن يتوفر لهم الحد الأدنى من المعيشة المقبولة..!

المبادرة تبدو خياراً استراتيجياً لوطن يخوض معركته الأكبر لإعادة بنائه من جديد.. فى ظل تحديات أقل ما يقال عنها أنها غير مسبوقة فى تاريخه.. فالمعركة اليوم تتخطى حاجز العدو الظاهر إلى ما هو أبعد وأكثر خطورة.. إنها معركة ضد كل الأفكار الهدامة التى تروج أن الدولة لا تنظر إلا للعاصمة وحدها.. وأن من يبحث عن الفقر سيجده فى أعماق القرى، وهو أمر صحيح إلى حد كبير.. تلك الأفكار التى تاجر بها الكثيرون عبر عقود ليضربوا شروخاً فى علاقة الدولة بالمواطن.. واستغلوا تلك الشروخ فى خلق بيئة سمحت لنموهم الشيطانى بين الناس!!

الفكرة أن المبادرة قد تحولت -بعد أن ظهرت بقوة فى المجتمع- إلى حالة تستلزم الاستدامة والاستمرارية.. فالهدف الاستراتيجى لها من تحسين البنية التحتية للريف المصرى خلق تغير نوعى فى علاقة المواطن بالدولة.. وبات عليها فى رأيى أن تتوسع إلى مرحلة جديدة من مساعدة أهل القرى فى تحسين الدخل أيضاً..!

نعم.. الأمر قريب الشبه بأن نعلم الفقير كيف يصطاد بدلاً من أن نمنحه سمكة.. فيتمكن من الحصول وحده بعد ذلك على آلاف الأسماك..!

ربما تحتاج المبادرة أن تقود فكراً جديداً لإعانة الفقراء عن طريق خلق فرص لهم للكسب والتربح وليس عن طريق الإعانات المباشرة أو حتى توفير البنية الأساسية..!

نحتاج أن نوفر لهم التدريب والتأهيل للحرف اليدوية البسيطة.. الأمر الذى يمكن للجامعات الحكومية القيام به بسهولة ودون مقابل عن طريق كليات الهندسة والزراعة.. ودعم مشروعاتهم الصغيرة بعد ذلك بقروض ميسرة.. على أن يتم توجيههم خلال العمل بمشروعاتهم من خلال جهاز تنمية ودعم المشروعات الصغيرة على سبيل المثال.. توجد تجربة حية فى ماليزيا لانتشال من هم تحت خط الفقر عن طريق مساعدتهم بقروض لفتح مشروعات متناهية الصغر فى منازلهم.. الأمر الذى نجح فى عشر سنوات فى خفض عدد الفقراء إلى النصف تقريباً..!

إن شباب مصر باتوا يساهمون فى إعادة بنائها من جديد.. فتحية واجبة لتلك الفكرة.. وللقائمين على التنفيذ فى ربوع مصر كلها..!