الجيش المصرى والقرار الصعب
لم أتوانَ لحظة واحدة، ولم أضيع فرصة للتأكيد الدائم على أن المعسكر الرأسمالى الغربى الذى تقوده أمريكا، يعمل بدأب جنونى لتركيع مصر، ويضع يوماً بعد آخر تعديلات جهنمية على خطته الواسعة لإعادة ترتيب الأوضاع فى منطقة الشرق الأوسط، وإذكاء الصراع الداخلى بين القوى السياسية، والدعم الخفى والعلنى للميليشيات المسلحة الكافرة التى تضم بين صفوفها مئات المرتزقة من الأجانب، حتى تسقط المنطقة بكاملها فى حضيض الانهيار والاحتراب الأهلى والطائفى والدينى، وتصاب كل مؤسساتها الرسمية بفشل كلى، وفى لحظة فارقة ستجتمع الأمم المتحدة لكى تفوض التحالف الغربى الذى تقوده أمريكا وإسرائيل، لإنقاذ شعوب المنطقة من هذا الخراب، وتطهير البلاد العربية من «طوفان الإرهاب»، وتخليص العالم من المتوحشين الذين يتباهون بقطع رقاب الأحياء وحرقهم وصلبهم ويحتفلون بهذه الطقوس البربرية على مرأى من العالم كله.
واللافت فى هذه المؤامرة الواضحة جداً، أنها أحرزت تقدماً كارثياً على كل الجبهات، وفى كل الدول المحيطة بمصر، مثل ليبيا واليمن وسوريا، وفى الوقت ذاته ضغطت على مصر بقوة من أطرافها الشرقية (فى سيناء)، والغربية (فى ليبيا)، واستخدمت جماعة الإخوان الماسونية لترهق الجيش والشرطة فى الداخل، ثم طورت المؤامرة من أدواتها، فراحت منذ أسابيع تهدد الشركات الأجنبية العاملة فى مصر، وتضع القنابل والمتفجرات أمام المولات التجارية وفروع البنوك، وتفجر خطوط السكك الحديدية وأوتوبيسات هيئة النقل العام وتعطل الطرق الرئيسية الرابطة بين القاهرة والمحافظات، وتضرب أبراج الكهرباء ومحطات المياه ومواسير الغاز.. فى محاولة لاستنزاف طاقة البلاد وإرهاقها وتشتيت انتباه مؤسسة الرئاسة وقوى الدولة الفاعلة فى اتجاهات عديدة، وهو الأمر الذى سينتهى طبقاً لتصورات هؤلاء الخونة، بانهيار اقتصادى شامل ومفاجئ، وباندلاع موجات غضب شعبى تمهد لفوضى شاملة على كل المستويات.
لكن مصر -خلال هذه الأسابيع الأخيرة- استعصت على هذا السيناريو، رغم أنها شهدت أحداثاً شديدة الغموض، من أهمها حادث استشهاد شيماء الصباغ برصاص غادر أو أرعن، واستشهاد 22 مشجعاً من المواطنين فى أحداث مباراة الزمالك وإنبى الأخيرة، وقبل هذين الحادثين صحونا ذات صباح على كارثة استشهاد أكثر من 30 جندياً وضابطاً من رجال الجيش والشرطة فى العريش.. ثم فاجأتنا ميليشيات «داعش» الإجرامية والكافرة مساء الخميس الماضى بطابور لأسرى من الأقباط المصريين فى ليبيا وهى تسوقهم معصوبى الأعين إلى ساحة الذبح، وبعد ساعات من هذا المشهد المفجع، إذا بنا أمام أنباء أخرى عن أن «داعش» لم تذبح الأسرى (وعددهم 21 مواطناً مصرياً)، وأنها تريد أن تبادلهم بكاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين اللتين زعم التنظيم الكافر أنهما «مسلمتان».. ثم دفع «التنظيم» بمؤامرته الخسيسة فى اتجاه أكثر خطورة عندما دعا إلى اعتبار أقباط مصر فى الداخل والخارج من الكفار.
وفى اليوم ذاته -الخميس الماضى- بثّت وكالة أنباء «أسوشييتدبرس» الأمريكية خبراً عاجلاً عن أن الجيش المصرى يجهز وحدة عسكرية للتدخل فى اليمن بعد سيطرة تنظيم القاعدة على وحدة عسكرية كاملة فى جنوب اليمن قريبة من «باب المندب»، وبعد ساعات من بث هذا الخبر خرج الأمين العام للأمم المتحدة لينعى إلى العالم «أن اليمن ينهار تحت أعيننا جميعاً».. ثم توالت الأنباء عن إغلاق السفارات الغربية واحدة تلو الأخرى وإجلاء رعاياها من اليمن.. وهو الأمر الذى انتبه إليه جيداً كاتب مرموق هو سمير عطا الله، فأشار فى مقاله أمس (الجمعة) بـ«الشرق الأوسط» إلى أن كل الجهات التى يشير إليها الحوثيون وأمريكا وإسرائيل والميليشيات المسلحة الهدف منها صرف انتباهنا جميعاً عن الهدف الحقيقى للمعركة.. وهو «باب المندب».
هل تتحرك مصر بجيشها فى اتجاه ليبيا واليمن؟ هذا هو السؤال الرهيب الذى لا أشك أبداً فى أنه مطروح بشدة على طاولة المؤامرة الأمريكية والإسرائيلية من ناحية.. وعلى طاولة الرئيس عبدالفتاح السيسى من ناحية أخرى.. بفارق شاسع بين الطرحين: وهو أن أطراف المؤامرة ينتظرون تورط الجيش المصرى فى معارك متعددة داخلياً وخارجياً.. بينما يُقلّب الرئيس السيسى الأمر على كل الوجوه، ويبحث أدق تفاصيله قبل اتخاذ القرار.
الأمر إذن فى منتهى الخطورة، ويحتاج إلى دراسة عميقة لا تؤخر القرار أياً كان عن توقيته المناسب، ولا تعجّل به فنندفع إلى متاهة نصبها المركز الرأسمالى المتوحش، لجيش مصر، باعتباره حائط الصد الأخير فى طريق المؤامرة الكبرى على المنطقة. لكن الأمر يحتاج أكثر إلى تكاتف كل القوى السياسية خلف مصر وجيشها وشرطتها حتى تنكسر هذه المؤامرة الحقيرة وتنجو مصر ومعها المنطقة بكاملها من الانهيار.