بروفايل| بوتين.. "الثعلب الطموح"

كتب: محمود عباس

بروفايل| بوتين.. "الثعلب الطموح"

بروفايل| بوتين.. "الثعلب الطموح"

ربما يتعجب كثيرون إذا صادفوا شخصًا يقتحم الحياة السياسية في بلاده، فيصل إلى أرقى مكانتها في فترة لم تبلغ عقدين من الزمن، ولكن ذلك العجب قد يزول حينما يعرفون أن هذا الرجل بدأ حياته عاملًا في مجالات الجاسوسية والاستخبارات وتجنيد العملاء الشباب من الأجانب، واستطاع أن يعرف كل خبايا خصومه بالداخل والخارج، لينجح ذلك الطموح ذو القامة المتوسطة في تحويل بلاده من شبح زائل إلى إمبراطورية يعمل لها الكبير قبل الصغير حسابًا. لم يتوقع أحد أن "فلاديمير بوتين"، المولود بقرية "لينينجراد" الروسية في 7 أكتوبر عام 1952، سيتحول إلى لغز يعجز كبار الساسة في العالم عن فك طلاسمه، فتح عينيه على الدنيا وسط مهالك الحرب عقب حصار "لينين"، ونشأ بين مجموعة مشردة من الأطفال لأبٍ معاقٍ بفعل الحرب وأم أوهنها المرض، فكان قراره أن يقاوم كل ذلك وينتظم في دراسته حتى يلتحق بكلية "الحقوق"، ومنها إلى أداء الخدمة العسكرية بجهاز أمن الدولة، فيستبدل بذلك ظروفًا تمهد الطريق إلى الإجرام بحياة يسودها التحدي والمثابرة. "سيرغي إيفانوف"، صديق الصبا والشباب ووزير دفاعه الأمين في مرحلة المجد، روى أن "بوتين" أفصح له عن حلم حياته بأن يكون ضابطًا في وحدة صغيرة بجهاز الاستخبارات الروسية "كي جي بي"، فما لبث أن جاوز عامه الثالث والعشرين حتى صار ضابطًا بذلك الجهاز، فتكون بدايته في مركز مكافحة التجسس في "لينينغراد"، ثم يقضى فترة في معهد أندروبوف في موسكو، تلا ذلك عمله في "دريسدن" بألمانيا الشرقية، قبل أن يختتم مسيرته بذلك الجهاز برتبة "مقدم" عام 1991. السنوات الأربع الأولى التي أعقبت ترك "بوتين" لمهامه الأمنية شهدت بزوغه السياسي، حيث تولى منصب مساعد رئيس جامعة "لينينغراد" للشؤون الخارجية، ثم أصبح مستشارًا لرئيس مجلس المدينة ذاتها، قبل أن يجمع بين منصبي رئاسة لجنة الاتصالات الخارجية والنائب الأول لرئيس حكومة المدينة. سيل من المناصب القيادية تولاها "بوتين" في أثناء رحلة صعوده بسرعة الصاروخ لكرسي الرئاسة، بدأت بتوليه لمنصب نائب مدير الشؤون الإدارية في الرئاسة الروسية عام 1996، ثم مديرًا لجهاز الأمن الفيدرالي وأمينال مجلس الأمن، فرئيسًا لحكومة روسيا الاتحادية باختيار من الرئيس "بوريس يلتسن"، قبل أن يتولى اختصاصات رئيس روسيا الاتحادية بالوكالة بعد استقالة الرئيس عام 1999. "26 مارس 2000"، يوم اختيار "بوتين" رئيسًا بالانتخاب، رأى فيه شعبه الرجل السياسي المثالي القادر على قيادة البلاد بقبضة قوية، والشخصية الشابة النشطة المتكاملة التي تستطيع دفع عجلة الإنتاج بالدولة في شتى المجالات، وربما كانت تلك الشعبية الجارفة سببًا في قراره بالاستمرار في السلطة كرئيسًا للوزراء بعد انتهاء مدة رئاسته القانونية، ثم ترشيح نفسه في انتخابات 2012 التي تخطاها باكتساح، ليبقى رجل المخابرات، الذي يصفونه بـ"الثعلب الطموح" و"القيصر الغامض"، والذي رفض اقتحام الصحفيين لحياته الشخصية، هو "الرجل السياسي الأول في العالم"، باعتراف صحيفة أمريكية بارزة لم تعبأ بخصومته لبلادها.