كليوباترا.. ليست الأخيرة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

منذ عقود صنعت هوليوود فيلم «الوصايا العشر» الذى أخرجه سيسل دى ميل، المخرج المشهور، الذى أحدث ضجة كبيرة وقتها وتناول فيه فترة وجود اليهود فى مصر فى زمن قدماء المصريين أو الفراعنة. لاحظت أن الفيلم يركز على بطولات اليهود، بينما يبخس القادة المصريين حقهم أو يُقلل من شأنهم وكفاءتهم. أظهر الفيلم أن اليهود من صنعوا الحضارة المصرية، ولولا وجودهم لما كان لهذه البلاد قيمة. وعندما كان مناحم بيجين، رئيس وزراء إسرائيل، فى مصر إبان فترة معاهدة السلام قال خلال زيارته منطقة الأهرامات: أجدادى هم من بنوا هذه الأهرامات!! ما رسالة بيجين التى تفوه بها أمام الهرم؟ هل كان اليهود من بنوا الأهرامات؟ كان اليهود فى تلك الحقبة عبيداً فى مصر، وكان منهم من يعمل فى المشروعات المعمارية العملاقة للمصريين، فهل هذا يعنى أنهم كانوا حكام البلاد؟! بالطبع لا، لكن ما المانع أن تتراكم القصص والأساطير بشأن وجود اليهود فى مصر أو لا، وبعدها مشاركتهم فى صنع الحياة والحضارة المصرية، ثم إزاحة المصريين من التاريخ، لتكون الحضارة الفرعونية العظيمة من صنع اليهود؟!

فى عام 1994 كنت فى بعثة دراسية فى الولايات المتحدة الأمريكية بصحبة رفقة متميزة من الزملاء الصحفيين. شاهدنا فى دار السينما فيلم قائمة شندلر، الذى منعت مصر عرضه فى مهرجان القاهرة السينمائى، الذى كان يرأسه وقتها الراحل الكاتب سعد الدين وهبة. صُنع الفيلم بحرفية عالية، كانت مدة عرضه طويلة تتخللها استراحة، واقتصرت ألوانه على الأبيض والأسود لإعطاء التأثير بشأن الحقبة الزمنية التى تدور فيها الأحداث خلال الحرب العالمية الثانية، واضطهاد الألمان لليهود وإعدامهم فى غرف الغاز وغير ذلك. خلال مشاهدة الفيلم كان غالبية الموجودين فى قاعة العرض لا يبكون فحسب، بل ينتحبون. لقد حقّق الفيلم الهدف من صنعه، وكانت نهايته السعيدة بميلاد إسرائيل مجسّدة فى طفلة بريئة تحمل زهرة تقدّمها إلى لا شخص.. إلى العالم كله.. وكانت الطفلة الشخصية الوحيدة التى ظهرت بالألوان فى الفيلم.

اخترع اليهود الدعاية والإعلام واخترعوا التأثير النفسى لهذه الآليات الشيطانية التى يمكن من خلالها السيطرة على عقول الناس وجعل الشعوب أداة طيعة فى يد اليهود. استغل اليهود الدعاية غير المباشرة فى إقامة دولتهم فى أرض فلسطين فى وقت لم يكن ظهر فيه أساطير الدعاية الروس والأمريكان، لم يكن العالم عرف الإيسكرا -شرارة لينين- أو إعلام بيرنز وليبمان فى أمريكا، ولم يكن جوبلز ظهر بعد. قبل كل هؤلاء كان هرتزل ورفاقه يتلاعبون بعقول العالم، وطوعوا الإنجليز الذين كانوا يحكمون العالم وقتها ومعهم بلاد أوروبا لتنفيذ حلمهم بدولة إسرائيل.

مسلسل كليوباترا ما هو إلا حلقة ضمن حلقات سلب العقول من جانب اليهود الذين يسيطرون على الإعلام والثقافة فى العالم، رغم أن هوليوود ذاتها صنعت من قبل فيلم كليوباترا الذى جسّدت شخصيتها فيه إليزابيث تايلور، ولم تتطرّق وقتها إلى مسألة أنها كانت أفريقية أو سمراء البشرة. لا بد من النظر إلى المستتر من الأغراض، فليست المسألة خلافاً فى رأى تاريخى أو جهل بأمر يعلمه العالم كله، إنما المسألة، ماذا بعد ترسيخ مفاهيم معينة فى عقول العالم، وفى عقول المصريين أولاً والأجيال الجديدة التى يستهدفون نزع دوافعها مسبقاً فى الدفاع عن تاريخها وحضارتها. لن تكون كليوباترا آخر الخطوات فى هذا الشأن.