الكذب على الله
لماذا تتبرم وأنت تشاهد إعلاناً يحدثك عن الحالة المزرية التى يوجد عليها أحد المساجد ويدعوك للتبرع؟ لماذا تتأفف والمتحدث فى الإعلان يحكى لك عن الحوائط المتهالكة التى تحتاج ترميماً، والفرش القديم الذى يحتاج تغييراً، و«الميضة» التى تحتاج تجديداً؟ لماذا تشعر بالضجر وهو يقول لك إن جلوسك أمام الإعلان معناه اختيار واستدعاء عاجل لك من السماء للتبرع لبيت من بيوت الله؟.. ولماذا تشعر بالأحاسيس نفسها وأنت تشاهد أحد إعلانات «سقيا الماء»؟.. ولماذا بعد تجربتك المريرة فى مشاهدة أحد هذه الإعلانات تصمم على عدم العودة إليها، وتضغط على الريموت لتنتقل إلى قناة أخرى بمجرد ظهور أحدها على القناة التى تشاهدها؟الله تعالى هو الأعلم بصدق أو بكذب من يقفون وراء هذه الإعلانات، ولكن مؤكد أن إحساساً يداخلك وأنت تراها بأن هناك مسحة كذب تسيطر عليها، والكذب هذه المرة هو كذب باسم الله، فبماذا نصف شخصاً أو جهة تدعو إلى التبرع إرضاءً لله، إلا بأنها تكذب على الله.
مسألة استخدام اسم الله والكذب على الله من المسائل المرتبطة بتاريخ التسول فى مصر، واللعب على مشاعرك ومخاوفك وهواجسك من الأدوات الأساسية التى يجيد المتسولون المحترفون توظيفها من أجل استدرار عطفك والحصول على المال السهل من جيبك، فمن زمان والمتسولون فى مصر يرددون: «حسنة قليلة تمنع بلاوى كتيرة».. يحكى لك أحدهم عن مرضه، ثم يدعو لك: «الله يكفيك شر المرض».. يحدثك ثانٍ عن تقلبات الزمان وغدراته، ويدعو لك: «ربنا يكفيك شر غدر الزمن».. يحدثك آخر عن الزكاة التى تطهّر المال، ويغرى من يظنون أن بإمكانهم غسل المال الحرام من خلال التصدق أو التبرع بجزء منه، وهكذا.
المسألة قديمة، لكنها لم تكن شائعة، ما جعلها مادة للتندر.
من أقدم الأفلام المصرية التى تعرضت لظاهرة الكذب باسم الله وعلى الله: فيلم «لو كنت غنى»، ويدور حول «حلاق فقير» تتبدل أحواله فجأة بعد أن تأتيه «وِرثة» من أحد أقاربه الذين احترفوا مهنة التسول، وظل يراكم الخردة على المليم على القرش على الشلنات على البرايز على الجنيهات حتى كون ثروة كبيرة، خبأها فى بيته، واكتشفها قريبه بعد وفاته.
تمددت لعبة التسول واقتحمت العديد من المجالات، بل وأصبحت عملاً ممنهجاً منظماً، تقوم به مؤسسات وجمعيات خيرية، وأغلبها يرتكن إلى فكرة «الكذب على الله».
لا تتحدث عن أخلاق فى مجتمع ضربته هذه الحالة وتمددت من ركن إلى ركن فيه، وباتت ساحة لسعى الأفراد من ناحية وسعى الجمعيات والجهات المختلفة إلى جمع المال من ناحية أخرى.
فوصول المجتمع -أى مجتمع- إلى الظن بأنه قادر على خداع السماء، أو استسهال بعض أفراده المتاجرة بالسماء من أجل حصد المغانم على الأرض يعنى أنه يعانى من «خراب أخلاقى مستطير»، وأنه يحتاج إلى هزة عنيفة حتى يثوب إلى رشده.
زمان كان الكاذبون على الله مجرد أفراد يفترون الكذب على السماء، أما الآن فالكذب على الله حديث باسم الله.. والسؤال: هل يصدق من كذب على ربه؟ هل يؤتمن؟ هل يرضى بما قسم الله له؟ هل يسعى فى الحياة بشرف؟ هل يمتلك شجاعة مواجهة الخطأ؟ هل يلين لغيره بعطاء؟.. أظن أنه صعب!.