الدكتورة سارة فوزي تكتب: للسياحة أنواع أخرى!!

الدكتورة سارة فوزي تكتب: للسياحة أنواع أخرى!!
على ارتفاع أكثر من 2700 قدم لا تسمع سوى صوت الرياح الذي يداعب بصيلات شعرك تنظر لأسفل فتجد العالم كحبات رمل متناثرة تحت أشعة الشمس ثم يأتي من خلفك صوت ويخبرك أن توم كروز قفز من هنا!
أو أن تقف في جنبات بيت عريق بُني طراز معماري إسلامي فريد تستوقفك تفاصيله ومقتنياته وتقرأ لافتة تحمل اسم صاحب البيت الموجود بمنطقة السيدة زينب بالقاهرة فتجده طبيبا بريطانيا يُدعى جاير أندرسون. تأخذ صورة في صالون البيت فيخبرك أحد المرشدين بأن الممثل الأمريكي روجر مور كاد أن يقتل أحدهم بهذا البيت!
أو تقرر الذهاب لأقاصي الغرب العربي في مغامرة في غياهب الصحراء تقابلك كلمة (ورزازات) فتسأل عن معناها ويخبرونك أنها تعني (عدم الضجيج) بالأمازيغية، المفارقة أن هذه المدينة التي تقع في الجنوب الشرقي من المغرب لا تعرف الهدوء أبداً فإطلالة عمر الشريف وابتسامة بيتر أوتول وروحهما لا تغادران المكان.
هذا المقال هو رسالة لوزارة السياحة ورحلة عشق للسينما ولأماكن مصرية وعربية ظهرت بأفلام عديدة فباتت قِبلة لها مريدوها وتحولت إلى مواقع سياحية فريدة وأيقونات سينمائية يأتي السياح إليها ويغادرونها لكنها لا تغادرهم، ويعتبرها محبو الدراما مقصدا خاصا للتصوير يعيدون بها تمثيل مشاهدهم المفضلة لينشرونها لاحقا عبر صفحاتهم في الفضاء السيبراني.
قفز توم كروز من أعلى برج خليفة في فيلم Mission: Impossible – Ghost Protocol المهمة المستحيلة الجزء الرابع الذي صدر عام 2011 انتهى الفيلم ونجح لكن لا زالت قفزة توم كروز تتردد بأذهان كل من يأتي لهذا البرج ويصعد طابقه الأخير ليتحول برج خليفة بعد هذا الفيلم إلى رمز سينمائي معبر عن دولة الإمارات يتعرف عليه أي مُشاهِد بمجرد ظهوره على الشاشة.
يبدو أن معمار الإمارات ذا الرؤية العصرية المستقبلية جذب صناع أفلام الخيال العلمي فقد ظهرت دبي في فيلم الخيال العلمي الناجح "Star Trek Beyond" 2015، حيث شكّلت دبي قاعدة فضائية تُعرف باسم "يوركتاون" وقد وجدها طاقم سفينة "إنتربرايز" خلال رحلته بين المجرّات. ولعبت أحياء دبي التي تضم أبراجاً شاهقة، بما فيها "داون تاون دبي" وأبراج بحيرات جميرا، دوراً بارزاً في الفيلم ولا تزال تجذب الزوار الذين يرغبون في اكتشاف المعالم السياحيّة بهذه المدينة.
وفي فيلم حرب النجوم Star Wars عام 2015، تطلع عشّاق السينما من العرب إلى رؤية الأماكن المألوفة لهم، إذ تم تصوير أجزاء من الفيلم على مقربة من دبي. وتم بناء مركبة فضائية وبرج كبير وسوق ضخم في صحراء أبوظبي، كجزء من موقع التصوير.
كل ذلك شجع السياح من مختلف أنحاء العالم للذهاب في رحلة سفاري في صحراء دبي وأبوظبي لتأمل مواقع تصوير أفلامهم المفضلة وقضاء ليلة عربية تحت السماء المرصعة بالنجوم.
وإلى أم الدنيا مصر التي كانت قبلة هوليوود الأولى لعقود طويلة حيث تم تصوير العديد من الأفلام العالمية الكلاسيكية بها قبل أن تسحب الإمارات والمغرب والأردن البساط قليلا.. بل كثيرا !
مصر هي الأخرى تسمى بهوليوود الشرق، وتشكل دائما ملتقى لجذب المخرجين العالميين منذ عقود والعلاقة بين هوليوود ومصر كانت ولا تزال مستمرة ولن تنقطع، فالعديد من الأفلام العالمية إما تكون عن مصر والحضارة الفرعونية أو تحتوي على بعض اللقطات من مصر أو عن تاريخها في حقب سياسية مختلفة.
في فيلم مثل وادي الملوك Valley Of The Kings:الذي يعد أول فيلم أمريكي يُصور بمصر إنتاج عام 1954، من بطولة روبرت تايلور وإليانور باركر، أحب مخرجه تفاصيل قاهرة المعز وبحيرات الفيوم وزرقة السويس وحضارة مدينة الصولجان الأقصر.
في عام 1977 صُور ببيت الكريتليه المسمى بمتحف جاير أندرسون بعض مشاهد فيلم "The Spy Who Loved Me"، (الجاسوسة التي أحبتني)، وهو أحد أفلام سلسلة جيمس بوند الشهيرة وبطولة الممثل روجر مور. وبهذا الفيلم تم تصوير بعض المشاهد في مدينة الأقصر تحديدا في معبد الكرنك كما تم التصوير في معبد أبي سمبل بأسوان وفي مسجد أحمد بن طولون بالقاهرة.
وإن كانت مصر جاءت قبل التاريخ وصنعته وهى حقيقة يدركها صناع الأفلام التاريخية بالعالم لكن الخيال العلمي المرتبط ببناء الأهرامات كان يراود مخيلة مخرجي هوليوود فأفلام مثل: Jumper عام 2008 والمتحولون Transformers: Revenge of The fallen في جزئه الثاني لعام 2009 كانت منطقة الأهرام من أهم مناطق التصوير وأساس قصة العمل .
ننتقل إلى هدير المحيط الأطلنطي وعلى امتداد سلاسل جبال أطلس بين جنبات المملكة المغربية الوادعة التي جذبت منذ ستينيات القرن الماضي عشاق السينما وصناعها فاتخذوا من شواطئها مواقع لتصوير المعارك الحربية وعبر صحاريها قدمت السينما قصص المحاربين وملاحم الأبطال وأساطير الخالدين من كل الحضارات والبلدان. المغرب لها نصيب الأسد من عائدات تكلفة وسياحة أماكن تصوير صناعة الأفلام العالمية من خلال المواقع الأثرية المفتوحة والصحاري والمدن الساحلية بها.
أفلام عديدة صُورت بالمغرب، أفلام لا تزال محفورة بذاكرة السينما العالمية وفي قلوب عشاق الشاشة الكبيرة أبرزهم على سبيل المثال لا الحصر: لورانس العرب، سلسلة أفلام المومياءmummy ، Gladiator المحارب، الأسكندر Alexander، Spy Game لعبة الجاسوس، Kingdom of Heaven مملكة السماء، Mission Impossible – Rogue Nation المهمة المستحيلة الجزء الخامس وتضخ تكلفة التصوير بالمدن المغربية لخزانة الدولة ما يقرب من 200 مليون دولار سنويا.
باتت الأردن لاعبا رئيسيا في سياحة الأفلام حيث تقدم وديانها وصحاريها ومدنها التاريخية العريقة لصناعة الفيلم العالمي. مناطق مثل: البتراء ووادي رم والبحر الميت أصبحت مسرحا للعديد من الأفلام التاريخية والحربية وأفلام الخيال العلمي العالمية فالمساحات المفتوحة الشاسعة بالأردن تجعل من السهولة بمكان للمخرجين ومديري مواقع التصوير إعادة تشكيلها وفقا للحبكة ونوع الفيلم بل باتت الأردن بديلا حقيقيا عن التصوير بالأراضي المصرية واليونانية.
يبقى أن العلاقة بين البيروقراطية في التصاريح الممنوحة من الجهات المعنية من جانب والسماح بحرية تصوير الأفلام الأجنبية بمصر من جانب آخر دائما متغايرة ومتغيرة؛ الأمر الذي سمح لدول عربية أخرى في جذب شركات الإنتاج العالمي إليها لتكون موقعا بديلا لمصر حتى وإن كانت قصة الفيلم عن مصر !
المفارقة واضحة في فيلم الموت على ضفاف النيل Death on the Nile في نسختيه عام 1978 وعام 2022 ، المقتبس عن رواية بوليسية للكاتبة الشهيرة أجاثا كريستي، ففي النسخة البريطانية القديمة تم تصوير الفيلم بالكامل في محافظة أسوان وبعض أجزاء من الفيلم في منطقة الأهرامات .
أما في نسخته المعاصرة من إخراج (كينيث براناه) فقد تم صناعة مشاهده المرتبطة بمصر عبر برامج المؤثرات والخدع البصرية وبعض الديكورات باستديوهات إنجلترا بإشراف مصمم المؤثرات البصرية الشهير الأوسكاري جورج ميرفي، فحرمان المعابد والشوارع المصرية من تصوير مسلسلات أو أفلام تتناول مصر واستبداله بمؤثرات مصطنعة أمرا مجحفا خاصة أنه نوع من الترويج المجاني لمصر خارجيا.
للسينما والدراما سحر خاص يحول ذرة رمال إلى جنة مدهشة في نظر المريدين، يكفي أن تظهر هذه الجنة في عمل درامي يحقق شعبية، وستتوالى الزيارات والأسفار إليها، فالتصوير بالمواقع التاريخية والأثرية والسياحية لأي دولة هى وسيلة من وسائل الترويج الفعال والتسويق لمناطق معينة على خريطة السياحة العالمية ... تلك حقيقة لا تقبل الشك وعلى وزارة السياحة المصرية إدراكها جيدا !!
لابد أن تُحول بعض مواقع تصوير المصرية لمتاحف مفتوحة لسياحة الأفلام؛ فالهوس والتقمص الوجداني مع شخصيات تلك الأعمال يجعل المشاهدين شغوفين لزيارة هذه المناطق فتصبح الفائدة مضاعفة من سياحة الأفلام ومن تكلفة تأجير المواقع لصناعة الأفلام لاحقا.
تحتاج وزارتا الثقافة والسياحة والآثار المصرية إلى تبني مبادرة ثقافية سياحية ترفيهية موجهة للجمهور العالمي للاشتراك في جولات سياحية بمدن مصرية صُورت بها عدة أفلام ومسلسلات رائجة أو جاري تصويرها.
يكفينا أن نعلم أن مسلسلات مثل: صراع العروش وآل التنين أسهموا في حدوث طفرة ونقلة نوعية في السياحة بدول عديدة لم تكن ذات رواج سياحي من بينها كرواتيا وآيسلندا وآيرلندا. فأعداد السياح الوافدين إلى هذه الدول تضاعفت إلى خمسة أضعاف عقب نجاح المسلسلات والأفلام التي صُورت بها، حيث يأخذ المرشدون السياحيون، الأفواج السياحية في جولات تتبع مسارات أبطال العمل الدرامي وفي جولات السير الإرشادية المجانية التي تقدم معلومات تاريخية وتفاصيل حقيقية حول هذه المدن الخلابة التي أحبها الجمهور في أعمالهم السينمائية والتليفزيونية المفضلة.
نحتاج إلى مثل هذه الاستراتيجيات المبدعة في مصر بعيدا عن التشددات ودوامات التصاريح، نحتاج إلى إعادة إنعاش الصحاري والوديان والمعابد والسواحل والمدن المصرية التي تزخر بالعديد من الأقاصيص الأثرية والتاريخية التي تدفعنا لاكتشافها والغوص في تفاصيلها وحكاياتها الحقيقية والسينمائية بل والتخيل لبعض الوقت أننا من أبطال العمل الذين مروا يوماً بها ونسير على بوصلة نجمهم.
نحتاج حقا إلى التفكير خارج الصندوق وإلى إعادة إنعاش السياحة المصرية بطرق غير تقليدية، نحتاج إلى تشكيل أنماط سياحية فريدة إلى جانب سياحة الآثار والأماكن التاريخية مثل: سياحة المعارض والسياحات الدينية والعلاجية وسياحة الأفلام وسياحة الألعاب الالكترونية والتفاعلية وسياحة المهرجانات الموسيقية والفُلكورية السنوية، إننا ببساطة نحتاج أن ندرك أن للسياحة أنواع أخرى تحتاج إلى الترويج والتسويق والاهتمام وإلا سوف نخسر كثيرا لصالح دول أخرى أدركت أنها لا تحتاج إلى مناطق تاريخية واكتشافات أثرية ولكنها أعادت تقديم وتسويق صورتها الذهنية العالمية لتتحول بالفعل إلى دول جاذبة للاستثمارات السياحية والترفيهية.