من ناجى العلى إلى شارلى

نادين سعد

نادين سعد

كاتب صحفي

فى صفحته على الفيس بوك كتب ديدييه مونسيو، الباحث التاريخى الفرنسى المعروف وصاحب العديد من الكتابات عن مصر عموماً وعن تاريخ اليسار فيها خصوصاً، كتب عن مسيرة شعبية لا رسمية ولا حزبية انطلقت يوم الأحد الماضى للتنديد بالإرهاب الأسود الذى ضرب فرنسا والتأكيد على التمسك بقيم الجمهورية الفرنسية. المسيرة التى تحدّث عنها «مونسيو» لم يسمع بها كثيرون مقارنة بالمسيرات الحاشدة التى اجتاحت جميع أنحاء فرنسا وتصدّرها رئيس الجمهورية وعدد من زعماء العالم وقادته، ووصفتها الصحف بأنها جعلت «فرنسا عاصمة العالم ضد الإرهاب» بعد أن شارك فى مسيرة باريس وحدها وفقاً لتقديرات وزارة الداخلية ما بين 1.2 و1.6 مليون شخص. كما أن مسيرة «مونسيو» لم تغطها وسائل الإعلام التى انتقل بعضها إلى مدينة بوكير الصغيرة الواقعة جنوب فرنسا، فهناك كانت زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارى لوبان تقود نحو 1000 شخص من أنصارها لتوجيه «التحية لضحايا الإرهاب الإسلامى» بعد أن تم استبعاد الجبهة من المشاركة فى المسيرات التى دعا إليها «أولاند» ومعه اليسار الفرنسى. وصف «مونسيو» المسيرة الشعبية التى شارك فيها فى العاصمة بأنها جمعت أناساً من خلفيات ومناطق وأعمار وأصول وأديان مختلفة، وبعضهم كان يتظاهر لأول مرة فى حياته. كانت المسيرة حاشدة حسب قوله، تخللتها مراحل للترجل ثم ركوب المترو بسبب الزحام الناتج عن المسيرات الرسمية. لم يلحظ «مونسيو» بين المشاركين فى المسيرة أياً من الوجوه المعروفة، وتلك من العلامات الجيدة جداً كما قال، ولعل هذا ما جعل المشاركين يتفاعلون مع انتقاداته للمسيرات الرسمية، ويسمعون له حين تحدث عن نموذج ناجى العلى ويذكّرهم بأن هذه المسيرة الشعبية خطوة جيدة على طريق مقاومة التطرف والعنصرية معاً، لكن الطريق ما زال طويلاً.. وربما طويلاً جداً. وضع «مونسيو» بهذه الإشارة لناجى العلى، رسام الكاريكاتير العربى الأشهر وصاحب «حنظلة» أيقونة كل حركات الرفض، وضع يده على قضية المعايير المزدوجة التى تمثل ركناً أساسياً من أركان الخلاف بين الغرب وبين العرب والمسلمين، وذلك بعيداً عن التوظيف السياسى الزاعق لكل المسيرات الأخرى التى شغلت الإعلام وخطفت الأضواء على مدار الأيام القليلة الماضية. خلال حياته القصيرة ظل ناجى العلى صوت المقهورين والمقموعين، ندد بالاستبداد والتسلط، ورفض اتفاقية كامب ديفيد كجزء من رفضه للاعتراف بالكيان الصهيونى. حمل ريشته اللاذعة المبدعة إلى كل مكان حل به، بعد أن أجبره الاحتلال الإسرائيلى لفلسطين على الرحيل إلى مخيمات اللجوء فى لبنان، ومنها إلى الكويت ثم إلى بريطانيا آخر محطات حياته. هناك أطلق عليه مجهول رصاصة غادرة فى يوليو 1987 فراح فى غيبوبة قبل أن يفارق الحياة فى أغسطس من العام نفسه. لم يبك ناجى العلى إلا أولئك الذين كرس ريشته للدفاع عنهم والانتصار لهم، هذا الدفاع الذى أدى به إلى السجن فلم يأبه به مع أن ظلم بعض ذوى القربى أشد وأقسى. لم تخرج للتنديد بقتل صاحب حنظلة مسيرات فى بريطانيا ولا فى الدول الأوروبية الأخرى، ولا بُذلت جهود ماراثونية لكشف النقاب عن قاتله كما حدث مع الأخوين كواشى وأحمدى كوليبالى، ولا استُدعيت حرية التعبير وتحولت إلى بكائية عالمية. لم يحدث شىء من هذا فى الغرب، وللأمانة أيضاً لم يحدث فى الشرق الذى شارك بعض قادته فى مسيرة الرؤساء بباريس للتأكيد على أن المداد لا يقابله إلا المداد، أكثر من ذلك عندما أقدم الرائع عاطف الطيب على إخراج فيلم يحمل اسم ناجى العلى فى عام 1992 تعرض الفيلم لهجوم شرس طال الجميع وعلى رأسهم نور الشريف الذى جسّد شخصية صاحب حنظلة، مُنع الفيلم من العرض ولم يُفرج عنه إلا فى العام الماضى. الرسالة التى بعث بها «مونسيو» إذن بإشارته إلى ناجى العلى هى أنه لو كانت حرية التعبير قيمة عليا لكان الرفض واجباً وبالقوة نفسها لكل انتهاك لها. تلك الرسالة فى الواقع كما قلت هى جوهر الأزمة فى العلاقة مع الغرب، إذ لا يفهم كثير من البشر لماذا يُسمح بإهانة معتقداتهم الدينية والسخرية منها، فيما يُحظر المساس بالسامية والصهيونية السياسية. الإهانة يقيناً لا تبرر القتل ولا يوجد مسلم واحد يفهم دينه ويعرف أوامره ونواهيه يتسامح مع القتل أو يتفهمه، ناهيك عن أن يرتكبه، لكن المساواة التى هى أحد مبادئ الثورة الفرنسية، مثلها تماماً مثل مبدأى الحرية والإخاء، يُفترض ألا تميز فى التطبيق بين الأفكار والمعتقدات لدوافع تتعلق بالمصلحة السياسية. إن هذا التمييز هو الذى يضخ الماء فى طاحونة معاداة السامية الآخذة فى النمو كما رصدها أحد استطلاعات الرأى فى فرنسا نفسها، سواء لتزايد شعبية اليمين المتطرف على المستوى الأوروبى، أو للممارسات الوحشية الإسرائيلية ضد أهلنا فى غزة، أو لضخامة الجالية المسلمة الموجودة على الأراضى الفرنسية. وأن يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلى مع رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية فى مسيرة الرؤساء هذا شىء، وتحصين المجتمع الفرنسى (وفى الواقع مجتمعات أوروبية عديدة) ضد النزعات العنصرية والتطرف شىء آخر مختلف بالكلية. فليس بالكاميرات تعالج قضية الاندماج الاجتماعى، يقيناً ليس بها.