الإعلام الغربي على المحك
لطالما تعرض الإعلام الغربي للنقد والهجوم على مدى عقود خلت؛ وقد حدث ذلك مبكرا جدا حين ظهر الانحياز السافر لمصلحة إسرائيل في صراعها مع العرب في المقاربات الإعلامية الغربية، وحين تم تحصين هذا الانحياز بقوانين وقواعد تحت لافتة كبيرة براقة اسمها «معاداة السامية».
ورغم ذلك النقد والهجوم، الذي استند في بعض الأحيان إلى ذرائع وجيهة وتمتع بأدلة دامغة، فإنّ هذا الإعلام الغربي لم يفقد الكثير من بريقه وتأثيره، بل ظل في مفاصل عديدة قادرا على الإلهام، خصوصا عند تحقيق الاختراقات الكبرى في كشف وقائع الفساد، وعند التصدي لنقد النظم الغربية وكشف ما قد تنطوي عليه من عوار.
وفضلا عن ذلك، فقد تحولت الممارسات الإعلامية الرشيدة التي انطوى عليها الإعلام الغربي إلى أدلة ومعايير انتظمت في مساقات أكاديمية، وطورت ميراثا كاملا من القواعد ضمن ما عُرف بـ«التنظيم الذاتي»، وهو ميراث ظل منهلا للتعلم والتطوير في مناطق مختلفة من العالم ومنها منطقتنا بطبيعة الحال. لكن الإعلام الغربي تلقى عديد الضربات أخيرا، وهي ضربات أثرت تأثيرا واضحا في مصداقيته وقدرته على الإقناع، وقد توزعت تلك الضربات على مساري الإعلام «التقليدي» و«الجديد»، حيث تورطت منابر إعلامية عديدة في المسار الأول في انحيازات حادة، وأظهرت ميولا عنصرية في تغطية الأزمة الروسية - الأوكرانية، ومن جانب آخر فإنّ وسائل التواصل الاجتماعي التي تُدار بواسطة شركات غربية كبرى، وتخضع لمتابعة قانونية من الحكومات والمؤسسات التشريعية في الغرب، تورطت بدورها في أخطاء لا تُحصى.
من بين تلك الأخطاء ما يتعلق بشيوع المعلومات الزائفة والتضليل، وانتهاك الخصوصية، وإثارة الكراهية، فضلا طبعا عن الدور السلبي الخطير الذي لعبته في مواكبة أزمة جائحة كورونا، إلى حد أن تلقت اتهامات أممية بمساهمتها في مفاقمة مخاطر الجائحة وتعويق عمليات الوقاية.
وفي الشأن السياسي، بدا أنّ تلك المنظومة الآخذة في الاتساع والمتعاظمة في التأثير، تتأثر أيضا بتوجهات سياسية، حيث لعبت أدوارا ملتبسة ومشبوهة في عمليات سياسية رئيسية، وعشرات الانتخابات في دول عديدة، وصولا إلى ما بات واضحا من أنّها اُستخدمت من أجل تعزيز فرص تيارات سياسية معينة على حساب تيارات منافسة.
لقد استدعت تلك التطورات مراجعة لافتة في الجسم السياسي والثقافي والإعلامي الغربي، وظهرت علامات على اعتراف بهذا العوار الذي ضرب المنظومة الإعلامية بمساريها الرئيسيين، ورغم أنّ تلك المراجعة لم تثمر تغيرا جوهريا في هذا الصدد، فإنّ الاعتراف بالخلل يبدو مهما وضروريا، وربما يعزز الأمل في محاولات جادة لتجاوز هذا القصور.
أما نحن في العالم العربي، ومعنا شعوب أخرى من العالم الثالث، فقد أظهرنا في الغالب ارتياحا كبيرا لظهور هذا الخلل في منظومة الإعلام الغربي، وأضحى لسان حالنا كمن يقول «كلنا في الهم سواء»، أو بالتعبير العامي الأثير «لا تعايرني ولا أعايرك، فاللهم طايلني وطايلك». وربما وجد بعضنا أنّ تسليط الضوء على الخلل والزلل في الأداء الإعلامي الغربي يحمل بين طياته تسويغا لأن نرتكب الأخطاء نفسها، أو إعفاء لنا من عدم اتباع القواعد المهنية والمعايير الأخلاقية التي طورتها الممارسة الإعلامية الغربية على مدى عقود، باعتبار أنّ صاحب الدعوة نفسه «يأمرنا بالبر.. وينسى نفسه».
وبسبب ذلك، تصاعدت أصوات بعض النقاد والإعلاميين في دول العالم الثالث، الذين يرون أن الموضوعية وعدم الانحياز في الممارسات الإعلامية مجرد خرافة، وهؤلاء يؤكدون أنّ وسائل الإعلام كلها منحازة بدرجة أو بأخرى، بل ويذهبون إلى أبعد من ذلك حين يصرون على أنّ الانحياز قيمة مُستساغة، وربما «ضرورية» في العمل الإعلامي، سواء كان في مبحث الرأي أو مجال الخبر.
والشاهد أنّ هذا التوجه غير سليم، ولا يخدم مصلحة الجمهور أو الحقيقة أو مهنة الإعلام، حتى لو وجد ذرائعه في أنّ الغرب الذي رفع لواء المهنية والموضوعية في العمل الإعلامي يمارس انحيازاته ويخرق قواعده لتحقيق مصالح سياسية أو مكاسب مالية.
إذ يجب أن يظل الالتزام بالمعايير المهنية في العمل الإعلامي شرطا ضروريا وفضيلة يجدر الحرص عليها في مختلف الأوقات وتحت أي ظروف. والموضوعية في المناهج العلمية تعبير عن إدراك الأشياء على ما هي عليه، دون أن تشوبها أهواء أو مصالح أو تحيزات، وفي التغطية الإعلامية هي نوع من المعالجة المهنية والثقافية والأخلاقية للمادة الإعلامية، بحيث تتوافر فيها أبعاد الموضوع كلها، والاتجاهات المطروحة حياله، بطريقة متوازنة، تستند إلى حجج منطقية، وتتميز بالدقة، والإنصاف في العرض.
وتفصل الآراء عن العناصر الخبرية، وتنسبها بوضوح وصراحة، وتتجرد من الأهواء والمصالح الخاصة، وذلك في إطار من التعمق والشمولية، يراعي السياق، وعلاقة الخاص بالعام، وربط الجزء بالكل، شرط أن تعكس هذه المادة الإعلامية أولويات الاهتمام عند الجمهور.
والواقع أنّ الوصول إلى إعلام يعتمد هذا النمط من الأداء يبدو صعبا، لكنه ليس مستحيلا، والأهم من ذلك أنّ تحقيق الموضوعية والتزام القواعد المهنية هدف يستحق أن نعمل من أجله كإعلاميين، كما أنّ وسائل الإعلام التي انتهجت وسائل تساعدها على الاقتراب من الأداء الموضوعي هي التي تسود المشهد الإعلامي العالمي اليوم.