محمود العربى.. «شمس الأعمال المشرقة»
من بين مشروعاتى المؤجلة، وهى كثيرة، أن أؤلف كتاباً كاملاً عن الحاج محمود العربى، شهبندر تجار مصر الأسبق، ومن بين أحلامى أن يتحول هذا الكتاب، أو تتحول سيرة هذا الرجل العظيم، إلى عمل درامى ضخم، يخلِّد إلى جانب سيرته الشاقة والشيقة، المعانى الرائعة والخلاقة التى تنطوى عليها هذه السيرة، ويحفر فى وجدان الأجيال الحالية والمتلاحقة رافداً صافياً وكريماً لنوع مختلف من القدوة والمثال والنموذج، شق طريقه فى صخر الحياة، وخاض بحر التجارة العاصف، حتى وصل إلى قمة الثراء الإنسانى الرحب، دون أن تعلق بثوبه الناصع واقعة فساد أو نصب أو غدر أو احتيال، وهى أمور، كما ندرى، كانت وما زالت هى القاسم المشترك الأعظم فى السجل الاقتصادى الإجرامى لمعظم رجال المال والأعمال الذين حققوا ثروات طائلة بفضل اللؤم والخسة والفساد فقط!
ولد الحاج محمود العربى عام 1932 فى قرية أبورقبة مركز أشمون بمحافظة المنوفية، لأب فقير يزرع أرضاً لا يملكها، وعاش طفولة شديدة التواضع والفقر والشقاء مثل كل الذين وُلدوا فى قرى مصر المملوكة آنذاك أرضاً وبشراً لطبقة الإقطاع الزراعى، ومثل ملايين فقراء مصر لم يتحصل «محمود العربى» على تعليم غير حفظ القرآن الكريم فى كُتّاب القرية، وما إن أتم حفظه حتى تلقفه شقاء العمل فى الغيط والبيت، وكلما توافر لديه بعض الوقت كان يقضيه أجيراً فى غيطان الناس، حتى امتلك وهو طفل مبلغاً لا يزيد على 40 قرشاً، أعطاها لشقيقه الأكبر، ليشترى بها لعب أطفال وخردوات مدرسية، عرضها «محمود العربى» على مصطبة بيتهم فى القرية، وكسب منها مبلغاً بسيطاً، وظل لعام أو أكثر يتوسع شيئاً فشيئاً فى هذه التجارة البسيطة حتى اقتنع والده بأن هذا الطفل يمتلك موهبة تجارية، الأمر الذى دفع والده إلى الموافقة على انتقاله للعمل فى محلات القاهرة.
من محل صغير لبيع العطور، إلى محل لبيع الخردوات بالقطاعى، ثم إلى محلات الجملة، ظل محمود العربى ينتقل لمدة 15 عاماً عرف خلالها كل أسرار التجارة وأرباحها، ودروبها المستقيمة والملتوية. وفى عام 1963 استقل بنفسه وافتتح محلاً بسيطاً بالموسكى مع عدد من الشركاء، ويجمع كل الذين عرفوه منذ هذه المرحلة وحتى الآن، على أنه اختط لنفسه دستوراً تجارياً يتلخص فى جملة من كلمتين فقط هما: «كلمة شرف». كانت كلمته ووعوده الشفوية أكثر ضماناً من كل عقود الدنيا، فانهالت عليه العروض، وانفتحت أمامه أبواب الرزق الحلال، وكان عام 1974 هو فاتحة خير جديد على هذا التاجر العصامى عندما تمكن من إقناع شركة «توشيبا» اليابانية بأن تعتمده وكيلاً لتوزيع منتجاتها فى مصر لمدة عام واحد، وبعد العام أصبح وكيلاً حصرياً، وبعد سنوات قليلة أقنع اليابانيين بأن يتحول من موزع إلى صانع، وأقام مصنعه الأول فى بداية الثمانينات، ثم راح يتوسع شيئاً فشيئاً حتى أصبح المصنع الواحد مُجمعين هائلين يضمان العديد من المصانع فى بنها وقويسنا. والمدهش فى مسيرة هذا الرجل العظيم أنه كان وما زال أكثر فهماً للاقتصاد من «عتاولة الخبراء الزائفين»، فقد أدرك أن النجاح لا يقاس أبداً بحجم الأموال التى جمعها، وإنما بحجم العمالة المدربة التى تستوعبها مصانعه، وبالمكون المحلى الذى وصل إلى 95٪ فى معظم الأجهزة، وبالأجور المرتفعة ومظلة التأمينات والمعاملة الكريمة التى لن تجد لها مثيلاً فى شركة أخرى.
أما أروع أعماله فتتمثل فى منظومة الأعمال الخدمية المجانية التى يقدمها الرجل لأهل قريته، ولكل القرى المحيطة بمصانعه، وفى إيمانه الصارم بأن التهرب من دفع الضرائب جريمة لا أخلاقية لا تُغتفر، وبأن عمل رجل الأعمال بالسياسة أفسد الأعمال وأفسد السياسة معاً.. وكان آخر أعماله المستشفى الدولى العملاق الذى أقامه فى قريته بالمنوفية، وافتتحه رئيس الوزراء قبل أسبوعين تقريباً، وهو مستشفى أذهل كل الذين زاروه، لدرجة أن البعض استكثر إقامة هذا الصرح الطبى العالمى فى قرية فقيرة، ولكن الحاج محمود العربى فى كل مرة يسمع فيها هذا الكلام يبتسم قائلاً: الفقراء هم الأكثر استحقاقاً للرعاية الطبية المتقدمة.
إن هذه اللمحات السريعة من حياة محمود العربى ليست إلا قطرة فى محيط هادر بالصبر والشرف والنجاح، وهو محيط لا يستوعبه غير كتاب ضخم أتمنى أن تمنحنى الأيام وقتاً وجهداً لإنجازه، فإن لم أستطع، أتمنى أن ينجزه غيرى، حتى لا يأتى يوم يتوقف فيه أبناؤنا عند مفارقة موجعة تتمثل فى انعدام اهتمامنا بهذا النموذج الناصع للنجاح الشريف، بينما اهتمت اليابان بأن تمنحه أرفع أوسمتها «وسام الشمس المشرقة» عام 2009!