علاء عصام يكتب: على هامش الحوار الوطني «دعونا نتحاور حول مفهوم الأزمة»

علاء عصام يكتب: على هامش الحوار الوطني «دعونا نتحاور حول مفهوم الأزمة»
- مصلحة الوطن
- النخب السياسية
- مختلف التيارات
- الحوار الوطنى
- مصلحة الوطن
- النخب السياسية
- مختلف التيارات
- الحوار الوطنى
حالة ضجيج دولية ومحلية سبقت الحوار الوطنى الذى دعا له الرئيس عبدالفتاح السيسى لبناء جمهورية جديدة تشاركية تتأسس من خلال حوار جاد وبدون سقف أو خطوط حمراء بين حلفاء 30 يونيو منطلقين من أرضية وطنية وبدون مشروطية سياسية. ويضم هذا الحوار، حسبما فهمت، كل أطياف المعارضة والخبراء من مختلف التوجهات الفكرية، ومعهم الأغلبية والحكومة.
حيث وصف المتهكمون والرافضون هذا الحوار بأنه حوار جاء على خلفية سلطة سياسية تعانى من أزمة وتبحث عن مخرج لتهدئة المواطنين، وهو الأمر، حسب خيالهم المريض، الذى دفع السلطة لاستيعاب قوى المعارضة والإفراج عن المحبوسين.
وفى ظنى أن هؤلاء يعانون من فهم ضيق جداً لكلمة أزمة، حيث إن الأخيرة، حسب فهمى لها سياسياً، تعبّر عن مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية ينعكس عنها شعور بالقلق والخطر، يستلزم وضع خطة استراتيجية لحل هذه الأزمات لتقدم المجتمع وتطوره.
وهنا أطرح سؤالاً بسيطاً على هؤلاء الذين يبتزون الدولة المصرية: هل هناك دولة فى العالم لا تعانى من أزمات؟ وهل هناك اجتماع بين مجموعة من الأشخاص - ولو بسيط - يخلو من الأزمات؟ على مدار سنوات من عملى السياسى شاهدت أزمات بين أبناء الحزب الواحد عندما يجتمعون بسبب مشكلات قديمة أو حديثة، ويعمل الحكماء فى الاجتماع على حلها لإنجاح الاجتماع، كما أن أبناء الأسرة الواحدة فى أى منزل مصرى لديهم أزمات ويكون أغلبها متمثلاً فى قلة الدخل رغم زيادة المصروفات وغياب التصرف السليم فى إدارة المنزل، وهكذا تعانى الشركات من أزمات، وكذلك كافة المؤسسات فى أى نقطة بالعالم.
وبما أننى أكتب عبر مساحة حرة فى جريدة «الوطن» بعنوان «دردشة» دعونا «ندردش» ونضع تأصيلاً تاريخياً لأسباب الأزمات فى مصر، والفرق بين مجتمع يعانى من أزمات ومجتمع مأزوم، حيث تسببت سياسات الانفتاح الاقتصادى غير المدروسة وغزو التيار المتأسلم العقل المصرى ومؤسسات الدولة فى تحوُّل المجتمع المصرى من مجتمع إنتاجى إلى مجتمع استهلاكى، وهجر الفلاح أرضه، وهاجر العمال وأساتذة الجامعات والمدرسون والمهندسون والأطباء وكل من يعملون بأجر وطنهم لتعظيم دخولهم من أموال البترول بدول الخليج، وهذه الدول البترودولارية كانت تحتاج حينها خبرات المصريين ويعلمون مدى احتياج شعبنا لتحقيق أرباح مغرية للغاية، وأهملت الدولة الصناعة والزراعة، وأصبحنا ننتج أقل بكثير مما نستهلك، ولم نلحق بالثورة الصناعية الثالثة، وطبعاً لم نلحق بالثانية والأولى أيضاً بسبب احتلال بريطانيا لمصر 80 عاماً.
وتوالت السنين إلى أن تأزم الوضع فى العصر الساداتى، وحكم الرئيس المؤمن مصر بالحديد والنار فى آخر عام من حكمه، ثم قتله المتأسلمون، ثم سار مبارك على نهجه فتأزم الوضع مرة أخرى فى آخر سنوات حكمة، وهكذا تأزم المجتمع المصرى سريعاً خلال عام من حكم جماعة الإخوان الإرهابية التى أعلنت صراحة رغبتها فى إسقاط مؤسسات الدولة وأخونة الجيش ومحاصرة القضاء وإعلان مرسى منذ اللحظة الأولى إعلاناً دستورياً يمنع أى مواطن من معارضته، وأصبحت الجماعة الإرهابية الخائنة هى التى تحكم، والرئيس الخائن مرسى عبارة عن دمية تحركه جماعة الدم، وشاهدنا كل أنواع الفشل وغياب الخدمات، وعشنا فى ظلام حالك إلى أن أشرقت شمس ثورة 30 يونيو.
وهذا التأصيل السريع نعود منه لمفهوم الأزمة، حيث إن هناك فرقاً بين مجتمع مأزوم ومجتمع يعانى من أزمات، حيث إن المجتمع المأزوم يعانى من سياسات ومؤامرات وصراعات تساهم فى فقدان الشعب ثقته فى الحاكم، فيتولد عن ذلك انفجار وعدم القدرة على وضع استراتيجيات لحل هذه الأزمات المتعددة، بينما هناك فرق شاسع بين ما مضى وما حدث فى مصر بعد 2013، حيث ثار المصريون على جماعة إرهابية وفساد استهلاكى وعالمى وشركات محتكرة كانت تعمل على نخر الفساد فى كل مؤسسات الدولة وإفساد المواطن بكل الطرق، وهنا تفاعل الفريق أول عبدالفتاح السيسى مع مطالب المصريين الذين عبّروا عن رغبتهم فى إنقاذ المجتمع المصرى من التطرف والإرهاب وانقطاع الكهرباء وتحول مرافق الدولة لكهن، والتحول لمجتمع مدنى ديمقراطى حديث يعتمد على التنمية المستدامة والصناعة الحديثة، وهكذا تتقدم المجتمعات التى تحترم القانون ودولة المواطنة وتبنى جسورًا وبنى تحتية تساهم فى تقدم المجتمع.
وحسبما شاهدنا جميعاً غضب الغرب، وعلى رأسه أمريكا وإسرائيل وبريطانيا، الذين فشل مشروعهم فى 30 يونيو، فأرادو إغراق العالم وإشعال الصراعات مع منافسيهم الصينيين والروس، وأصبح العالم كله يعانى من الأزمات، ومنها نقص المنتجات، ورعب الأوروبيين من البرد مع قدوم فصل الشتاء وارتفاع أسعار سلاسل الإمداد، مما تسبّب فى رفع الأسعار، ولأننا عانينا على مدار 30 سنة قبل 2013 من التحول لمجتمع استهلاكى لا يزرع ما يأكله ولا يصنع منتجاته فما زلنا ندفع ضريبة كل ذلك، وهو الأمر الذى دفع الرئيس السيسى، ومعه كل المصريين المخلصين، لإنقاذ مصر من الإرهاب وبذل الجهد والعرق لبناء 14 مدينة جديدة، كان آخرها افتتاح «المنصورة الجديدة» وتأسيس بنية تحتية تشجع على الاستثمار ودفع الدولة نحو استغلال المنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتصبح منارة للتجارة العالمية.
والاهتمام أيضاً بالصناعات التحويلية لتحويل المواد الخام لمنتجات وسلع بدلاً من استيرادها بالدولار، وأثبتنا إلى أى قدر نحن أقوياء فى مواجهة كورونا والأزمة العالمية الأخيرة، حيث توافر كل المنتجات وعدم مواجهة أزمة طاقة مثل أغلب الدول المتقدمة وزيادة المرتبات ورفع إنتاج مصر من القمح إلى 50% بعد أن كان 20% وتقدم جيد على مستوى المشروعات الزراعية والاستصلاح الذى سيساهم فى زيادة إنتاج مصر من الحبوب وطعام المصريين وتعظيم الحد الأدنى للأجور لأكثر من الضعف خلال 8 سنوات، وإنقاذ «حياة كريمة» قرى مصر ودعمها بالصرف الصحى والغاز والمياه النظيفة، إلى جانب ترميم المنازل وبناء المستشفيات والمدارس والمشروعات القومية، وكل ذلك استوعب أكثر من 5 ملايين عامل، وانطلاقة كبيرة فى شكل المدن الذكية وعلى رأسها العلمين والجلالة والعاصمة الإدارية، وإحباط محاولات الهجرة غير الشرعية بشكل كبير عن طريق مشروعات المزارع السمكية وغيرها من المشروعات التنموية.
ولكن هذا لا يعنى أننا لا نعانى من أزمات، فعلى مدار 8 سنوات لم تنجح الحكومات المتعاقبة فى مواجهة الاحتكارات، فلا يزال هناك ثلاثة تجار يستوردون 95% من الفول، وما زالت نسبة المكون المحلى فى أغلب الصناعات لا تتجاوز 30 إلى 40%، ومحسوب من هذه النسبة العمالة المصرية الرخيصة التى يستغلها المستثمرون المحليون والأجانب، وما زلنا نستورد 100% من الزيت الذى نطبخ به طعامنا.
كما أننا فى حاجة لمضاعفة إنتاجنا الزراعى والصناعى عشرات المرات وتطوير منظومة التعليم والبحث العلمى والمنظومة الصحية والتسريع فى إنجاز منظومة التأمين الصحى الشامل لتعميمها فى مختلف محافظات مصر، وهذا إلى جانب مزيد من الحريات السياسية وفتح نوافذ لكل أطياف المعارضة فى الإعلام وتعميق حركة الأحزاب وعدم شيطنتها حتى تستوعب الشباب بدلاً من انسياقهم وراء جماعات الدم مرة أخرى، والعمل بشكل سريع على إنجاز قانون متوازن للمحليات حتى يفرز ذلك رقابة شعبية محلية تحاصر الفساد.
ورغم كل هذه الأزمات هناك خطط استراتيجية توضع لحل المشكلات التى تواجه مصر فى الوقت الحالى، وهكذا تفعل كل دول العالم التى تعانى من أزمة عالمية طاحنة، وهناك حالة انفراجة سياسية تكللت بحوار وطنى دائم ومستمر للوصول لأكبر قدر من التوافق بين كل القوى السياسية والحكومة والخبراء لتجاوز هذه الأزمات المحلية والدولية، ولهذا أرى أننا نعانى من أزمات يمكن حلها وتجاوزها بإصرار الشعب المصرى وإرادته ومخزونه الثقافى الذى بات يرفض دعوات الإخوان والمتأسلمين بشكل عام الذين يحرّضون الشعب لإحداث الفوضى وتدمير مجتمعه بيده.
وحسبما أعتقد إننا لسنا أمام سلطة أو مجتمع مأزوم على حافة الانفجار، والدليل فشل كل دعوات التخريب وآخرها 11/11، وهو الأمر الذى أثبت إلى أى قدر لا يتعاطى المواطن، رغم صعوبة العيش، مع دعوات التخريب والهدم وعدم تصديق المتأسلمين وعلى رأسهم جماعة الإخوان، وإلى أى قدر إصرار الشعب المصرى على مواصلة مسيرة البناء والتنمية ودحر الإرهاب ومواصلة الحوار الذى يساهم فى بناء جمهورية جديدة حداثية عمادها احترام القانون والدستور ونشر قيم التنوير والتسامح والسلام والعدالة.
وعلى سبيل الدردشة، ألم يكن حلماً من أحلامنا القضاء على تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية لأول مرة منذ تأسيس الجماعة فى مصر، ودحر الإرهاب وتجفيف منابعه بنسبة كبيرة عن طريق الدراما والخطاب الإعلامى والثقافى وحالة التنمية الحديثة التى تشهدها مصر والتحول الكبير فى وعى المصريين وقوة تحملهم ورغبتهم المستميتة فى الحفاظ على دولتهم، أم أن بعض المعارضين المتحالفين مع عبدالمنعم أبوالفتوح وآخرين داعمين للإخوان لهم رأى آخر؟
رسالتى الأخيرة من شاب مصرى يعبّر عن مستقبل أقرانه لحلفاء 30 يونيو: دعونا نتحاور بدون انفعال وافتعال لأزمات، ونضع تصورات مدروسة وقابلة للتنفيذ، ونقدم مصلحة الوطن على زعاماتنا ومصالحنا الشخصية، لربما يشفع كل ذلك لنا أمام التاريخ ونحافظ على ما تبقى عند المصريين من ثقة لا أعرف مقدارها فى النخب السياسية من مختلف التيارات.