سيناريو اللحظات الأخيرة في حياة صدام حسين

سيناريو اللحظات الأخيرة في حياة صدام حسين
"قررت المحكمة الحكم على المُدان صدام حسين عبدالمجيد، بالإعدام شنقًا حتى الموت، لارتكابه أخطاءً ضد الإنسانية".. كلمات قالها القاضي رائد جوحي، الذي حكم على رئيس العراق الأسبق صدام حسين، والتي لم تهتز أعماق حسين، على الرغم من كونها كلمات أنهت أمره، لكنه رد مرفوع الرأس في قاعة المحكمة "يعيش الشعب، تعيش الأمة، يسقط العملاء والغزاة والخونة".
أيام قليلة، عاشها صدام حسين قبل استسلامه لقرار المحكمة، التي قضت بـ"إعدامه حتى الموت" تنفيذًا لحكم قاضيها، ولم يؤثر قرار الإعدام كثيرًا فيه، وعاش أيامه في توصية كل من استطاع الوصول إليه قائلًا: "على العراقيين تجاوز جراحهم، وأن يتساموا فوق خلافاتهم، وأن يتحدوا ضد عدوهم، وأنا مطمئن إلى مصيرهم، وسألقى ربي بوجه راضي"، وذلك وفق رواية المحامي التونسي الدكتور أحمد الصديق، عضو هيئة الدفاع عنه في الفترة التي أعقبت حكم الإعدام.
حكم الإعدام الذي نُفذ على الرئيس الأسبق صدام حسين، والذي عاون هيئة المحكمة جنودًا أمريكان لتنفيذه، لم يبرح قبيل موته ليكتسب في صفه متعاطفًا أخرًا، لكنه من صفوف الجيش الأمريكي، حيث أرسل لزوجته رسالة موضحًا فيها رأيه الشخصي عن صدام، بجانب وصف هامته المستقيمة، وتلقيه لأمر إعدامه بصدر رحب دون خوف نابع على وجه شخص، أنهت حياته "عدالة محكمة".
كتب الجندي في سطور رسالته، المخلوطة بالحزن والأسى على فقدان صدام قائلًا لزوجته: "صدقيني، أنا أعتقد أن الرئيس صدام رجل يستحق الاحترام، لقد فُتح باب زنزانته في الثانية صباحًا بتوقيت جرينتش، ووقف قائد المجموعة التي ستشرف على إعدامه، وأمر الحارسين الأمريكيين بالإنصراف، ثم أخبر الرئيس صدام أنه سيعدم خلال ساعة، لم يكن الرجل مرتبكًا، طلب تناول وجبة من الأرز مع لحم دجاج مسلوق، وشرب عدة كؤوس من الماء الساخن مع العسل، وهو الشراب الذي اعتاد عليه منذ طفولته".
ويضيف الجندي في الرسالة ذاتها "بعد تناوله وجبة الطعام، دعُي لاستخدام الحمام حتى لا يتبول أثناء عملية الإعدام ويشكل المشهد حرجًا له فرفض صدام، وفي الساعة الثانية والنصف صباحًا، توضأ وغسل يديه ووجهه وقدميه، وجلس على طرف سريره المعدني يقرأ القرآن الذي كان هدية من زوجته، وخلال ذلك الوقت كان فريق الإعدام يجرّب حبال الإعدام وأرضية المنصة".
واستطرد الجندي في وصفه التفصيلي عن لحظات ما قبل إعدام صدام قائلًا: "في الساعة الثانية و45 دقيقة، وصل اثنان من المشرحة مع تابوت خشبي وضع إلى جانب منصة الإعدام، وفي الساعة الثانية و50 دقيقة، أدُخل صدام إلى قاعة الإعدام، ووقف الشهود قبالة جدار غرفة الإعدام، وكانوا قضاة ورجال دين وممثلين عن الحكومة وطبيبًا، وفي الساعة الثالثة ودقيقة، بدأت عملية تنفيذ الحكم التي شاهدها العالم عبر كاميرا فيديو ثُبتت في زاوية الغرفة، وبعد ذلك قرأ مسؤول رسمي حكم الإعدام عليه.
يتابع الجندي "كان صدام ينظر إلى المنصة التي يقف عليها غير آبهًا، بينما كان جلادوه خائفين وبعضهم كان يرتعد خوفًا، والبعض الآخر كان خائفًا حتى من إظهار وجهه، وارتدوا أقنعة شبيهة بأقنعة المافيا وعصابات الألوية الحمراء".
لم يتوقف المشهد الذي وصف الأمريكي لزوجته عند هذا الحد، فقد أكد في ذات الرسالة: "كدتُ أن أخرج جريًا من غرفة الإعدام، حينما شاهدت صدام يبتسم بعد أن قال شعار المسلمين (لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقلتُ لنفسي يبدو أن المكان مليء بالمتفجرات، فربما نكون وقعنا في كمين، وكان هذا استنتاجًا طبيعيًا، فليس من المعقول أن يضحك إنسان قبل إعدامه بثواني قليلة، ولولا أن العراقيين سجلوا المشهد، لقال جميع زملائي في القوات الأمريكية أنني أكذب، فهذا من المستحيلات، ولكن ما سر أن يبتسم هذا الرجل وهو على منصة الموت؟".
"نطق صدام شعار المسلمين ثم ابتسم".. كلمات أنهى بها الجندي الأمريكي رسالته لزوجته، ليبدأها بجمل أخرى أكثر دهشة قائلًا: "أؤكد لك إنه ابتسم وكأنه كان ينظر إلى شيء ظهر فجأة أمام عينيه، ثم كرر شعار المسلمين بقوة وصلابة، وكأنه أخذ شحنة قوية من رفع المعنويات، أؤكد لكِ كان ينظر إلى شيء ما، إنني لا أعلم ما صحة ما يقوله بعض أصدقاؤنا المسلمين في العراق، من أن الشهداء يدخلون الجنة مباشرة ولا يشعرون بألم الموت، ويقولون أن الشهداء هم الذين يقتلونهم الكفار، وعلى هذا الأساس يعتقدون إننا أهدينا لصدام هدية عظيمة حينما قتلناه!".
لحظات ما قبل الإعدام مرت على صدام كأنها لحظات، ناظرًا إلى سراب لا يراه سواه، متلقيًا إعدامه بقلب مفعم بالإيمان، وأقدام حملته دون سقوط، وجسد لم ير "الرعشة" خوفًا من الموت، حيث وصف موفق الربيعي، مستشار الأمن القومي العراقي الأسبق، اللحظات الأخيرة قبل إعدامه قائلًا: "كان شكله طبيعيًا وغير مرتبك، لم أر علامات الخوف عنده، طبعًا بعض الناس يريدونني أن أقول إنه انهار، أو كان تحت تخدير الأدوية، لكن هذه الحقائق للتاريخ، مجرم صحيح، لكنه كان متماسكًا حتى النهاية".