الحبس الاحتياطى.. أبغض الحلال
حرصت الأديان السماوية وكافة الشرائع الدينية والدنيوية على تقديس الحرية الشخصية، ولم تُجز تقييد تلك الحرية إلا للضرورة القصوى، وفى أضيق الحدود، إعلاءً لقيمة الإنسان بصرف النظر عن جنسيته أو ديانته أو أصله العرقى أو القومى أو وضعه الاجتماعى أو الاقتصادى، كما تناولت كافة الدساتير الوضعية حماية تلك الحرية وضمان صيانتها وحرمة الاعتداء عليها أو الحد منها أو تقييدها.
إلا أنه وخروجاً على هذا الأصل واستثناء منه فقد أجاز المشرّع لسلطة التحقيق أن تأمر بحبس المتهم حبساً احتياطياً ولمدة محددة، عند بدء التحقيق أو أثناء سيره، إذا توافرت موجبات ذلك الحبس. ورغم أن الحبس الاحتياطى يتناقض مع قرينة أن الأصل فى الإنسان البراءة، وتظل هذه البراءة مفترضة فى الإنسان إلى أن يصدر بحقه حكم قضائى نهائى، فإن المشرّع قد رخّص للمحقق استخدام ذلك الحق بحبس المتهم وفقاً لشروط وقواعد حددها المشرّع وأحاطها بمجموعة من القواعد التى تضمنتها كافة المواثيق الدولية والدساتير والقوانين فى كافة دول العالم، مؤكدة عدم استخدامه إلا عند توافر أسبابه التى حددها المشرّع على سبيل الحصر وفيها مصلحة التحقيق أو خشية هروب المتهم أو عند توافر دلائل قوية وكافية على ثبوت الاتهام فى حق المتهم، لذلك فهو استثناء قرره المشرّع لمصلحة وضرورات التحقيق.
ولأن الضرورات تقدر بقدرها فلا يصح استخدامها بإفراط أو إسهاب، خاصة أن الحبس الاحتياطى من الإجراءات التى تنال من حرية الفرد على عكس ما جُبلت الطبيعة البشرية على احترامها، ولذا نجد المشرّع قد وضع شروطاً صارمة عند اللجوء إليه. ومن هذه الشروط، على سبيل المثال، أن يصدر هذا الأمر من الجهة التى حددها القانون وهى سلطة التحقيق، كما أوجب المشرّع أن تكون الجريمة جناية أو جنحة معاقَباً عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة أو معاقَباً عليها بالحبس أياً كانت مدته، كما أوجب المشرّع ضرورة سماع أقوال المتهم واستجوابه قبل إصدار الأمر ما لم يكن هارباً، وانتهى المشرّع إلى ضرورة التزام سلطة التحقيق بتسبيب أمر الحبس الاحتياطى واشتماله على البيانات الواردة تفصيلاً بنص المادة 134 من قانون الإجراءات الجنائية.
وإعلاء واحتراماً لحرية الفرد فقد استحدث المشرّع المصرى مؤخراً نصوصاً حدد بها طريق الطعن والتظلم من قرارات الحبس الاحتياطى ووضع له طرق تلك التظلمات وكيفية استئناف أوامر الحبس أمام جهات القضاء المختصة وفق قواعد ومواعيد صارمة وواجبة الاحترام، وإلا سقط ذلك الحبس وأُخلى سبيل المتهم فوراً، كما أعطى المشرّع للنيابة العامة الحق هى الأخرى فى الطعن على قرارات الإفراج وفقاً لما تقدره من مبررات وأسباب تستند إليها عند استئناف قرارات الإفراج. كل تلك الأمور من المسلمات القضائية والفقهية والدستورية.
لكن ما نتناوله فى هذه الأطروحة هو ما تلاحظ لنا فى الآونة الأخيرة من استخدام السادة أعضاء النيابة العامة لحق استئناف قرارات إخلاء السبيل والإفراج عن المتهم الصادرة من المحاكم بمختلف درجاتها وبإفراط شديد دون أن تتضمن تقارير الاستئناف أسباباً تبرر هذا الطعن. ولأن النيابة العامة فى مصر وعلى رأسها أحد شيوخ القضاء المصرى الشرفاء هى الأمينة على الدعوى العمومية.
ولأن أعضاء النيابة العامة يضطلعون بدور حاسم فى إقامة العدل ويسهمون فى إقامة عدالة جنائية منصفة، ويعملون على وقاية المواطنين من الجريمة، ولذا فإنهم يؤدون واجبهم ورسالتهم بغير تحيز، ويتجنبون جميع أنواع التميز الاجتماعى أو الدينى أو الثقافى، كون النيابة العامة منوطاً بها حماية المصلحة العمومية والتصرف بموضوعية ومراعاة مركز المتهم والمجنى عليه جنباً إلى جنب وبغير تحيز لأى منهما ودون الآخر.
إلا أن الملاحظ هو الإفراط الشديد فى قيام النيابات الجزئية والكلية فى عموم الجمهورية باستئناف أوامر الإفراج الصادرة من المحاكم بصورة ولّدت شعوراً عند الكافة أنه فور صدور قرار المحكمة بإخلاء سبيل المتهم فإن النيابة العامة سوف تستأنف القرار فور صدوره.
وهنا لا بد من تصدى سيادة المستشار الجليل النائب العام لهذا الأمر بإصدار كتاب دورى ينظم حق النيابة فى استئناف قرارات إخلاء السبيل ووضع ضوابط محددة لاستخدام هذا الحق المقرر للنيابة العامة على سبيل الاستثناء، خاصة أن سيادته قد أثبت ويثبت دوماً أنه النائب العام العمومى للمصريين جميعاً دون استثناء سواء منهم من هم متهمون أو مجنى عليهم، كما أنه الأمين على الدعوى العمومية عند تحريكها ومباشرتها لصالح المجتمع بأسره، كما سبق لسيادته أن تدخل بإصدار كتب دورية سابقة تنظم أموراً قضائية كثيرة تهم حياة الفرد والمواطن.
سيادة النائب العام.. تعلمنا منكم أنكم تقدّرون الضرورة بقدرها، وأن لكل متهم مركزه القانونى الخاص به، ولكل جريمة أوضاعها وظروفها الخاصة بها، ولذا فإن كل قرار بإخلاء السبيل يختلف من متهم لآخر، ومن جريمة لأخرى، وبالتالى فإن استئناف هذه القرارات يخضع لوجوب المبررات والأسباب التى ترجح التقرير بها عند توافرها، أما أن يتحول الأمر إلى قاعدة عامة تطبق على الجميع دون النظر إلى ظروف كل منهم دون الآخر فإن الأمر يتطلب تدخل سيادتكم لضبط تلك المسألة وحتى لا يتحول الأمر إلى عرف قضائى يستقر به الاستغناء عن الأصل العام.
وهنا أجد نفسى مبهوراً أمام تصريح السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى عند لقائه بشباب الإعلاميين الثلاثاء الماضى مؤكداً فى عبارة بسيطة موجزة لكنها تحمل كل مضامين الحرية والعدالة عندما قال سيادته: «مش عايز مظلوم واحد فى أى سجن».
ومع يقينى بأن رئيس الجمهورية ليس له دور فى مسألة الحبس الاحتياطى أو الإفراج عن المحبوسين، لكن تصريح سيادته يعكس إحساس الأب والرئيس والراعى لمصالح هذا الوطن.
ولكون هذه المسألة تتعلق بسلطة التحقيق التى تباشر عملها بكل حيدة ونزاهة فالأمر معقود لسيادة النائب العام لتنظيم ذلك الأمر ودون المساس بحق النيابة العامة فى ممارسة دورها واستخدام حق أعضائها فى إصدار أوامر الحبس لمن يرون فى حقهم توافر مبرراته، فالمقصود هنا هو عدم الإفراط فى استئناف أوامر إخلاء السبيل والطعن عليها جملة وبغير أسباب مكتوبة تحمل معها مبررات ذلك الاستئناف.
سيادة النائب العام.. الحبس الاحتياطى هو أبغض الحلال عند القضاء، وأوقن أن أياً من السادة أعضاء النيابة العامة عندما يلجأ إليه فإنه يستخدمه مكرهاً، لا سعيداً، ويقرره لمصلحة التحقيق، لكن عندما يُعرض الأمر على منصة القضاء وتقرر المحكمة إخلاء سبيل المتهم فإن الطعن على ذلك القرار يجب أن تتوافر له اعتبارات جادة وضرورية قبل الدلوف إلى استئنافه، خاصة أن النيابة العامة تؤدى رسالتها السامية لصالح المجتمع بأسره، سواء من كان منه متهماً أو مجنياً عليه.
كما أنه لا يغيب عن الكافة ما يسببه الحبس الاحتياطى من أضرار نفسية ومعنوية لمن صدر بحقه، كما لا يخفى عن العامة كم عانت أسر وتهدمت بيوت وضاعت وظائف كانت هى مصدر العيش الوحيد للأسرة، وكم انتُهكت سمعة عائلات وما سبّبه ذلك الأمر من دمار كبير طال الفرد كما نال من أسرته وذويه. ولا يمكن تدارك آثاره عند التقرير بحفظ الأوراق أو عند القضاء بالبراءة، خاصة أننا حتى الآن لم نستطع أن نفرق أو نفصل بين المحبوس احتياطياً وبين المحكوم عليه، فأماكن الاحتجاز تكاد تكون واحدة، ووسائل الانتقال وسيارات الترحيلات واحدة، وأقفاص المحاكم واحدة، ولذا فإننا نهيب بالمشرّع ضرورة التصدى لهذا الأمر واستحداث أماكن تخصص للمحبوسين احتياطياً ليس من بينها طرة أو أبوزعبل وغيرها من السجون التى لا انفصال فيها بين المحكوم عليهم والمحبوسين احتياطياً.
سيادة النائب العام.. أهيب بسيادتكم، وكما عودتنا دائماً بحسكم القانونى وبضميركم اليقظ، سرعة التدخل وتنظيم هذا الحق استثناء وعدم التوسع أو الإفراط فيه، مع إيمانى المطلق بأنكم أحرص على المتهم من ذويه ودفاعه ومحاميه.
أوقن أن استئناف هذه القرارات يضع على كاهلكم أحمالاً ثقالاً، كما يضع على الدوائر والمحاكم التى تنظرها مجهوداً شاقاً يضاف إلى ما تعانيه من تكدس شديد للقضايا، كما يضع على المتهم أعباء أخرى تضاف إلى ما هو فيه قد لا يتوافر تدبيرها. أوقن أن سيادتكم حريصون كل الحرص على إرساء قواعد العدل وبغير تحيز أو تميز بما عهدناه منكم ونفتخر به دوماً.
وللحديث بقية ما دام فى العمر بقية.