جميع المؤشرات تنذر بحرب روسية طويلة

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

بدأ هذا الأسبوع؛ وهناك نظرة تشاؤمية تخيم على مشهد الحرب الروسية الأوكرانية، كونها الآن مرشحة بأكثر مما مضى لأن تذهب إلى سقف زمنى مفتوح ليس لشهور بل لسنوات مقبلة. هذا التقدير جاء من المعسكر الغربى على لسان الأمين العام لحلف شمال الأطلسى «ينس ستولتنبرج»، فى مقابلة نشرتها صحيفة «بيلد» الألمانية: «علينا أن نستعد لاحتمال أن تستمر تلك الحرب لسنوات، وعلينا ألا نخفف دعمنا لأوكرانيا حتى لو كانت التكاليف مرتفعة ليس فقط على صعيد الدعم العسكرى، لكن أيضاً بسبب أسعار الطاقة والمواد الغذائية التى تشهد ارتفاعاً كبيراً». على نفس المنوال وإن كان بتفصيل أكبر ما طرحه «بوريس جونسون» رئيس الوزراء البريطانى، فى مقال كتبه ونشر السبت فى صحيفة «التايمز» الشهيرة بعنوان لافت «لن نكون آمنين أبداً إذا أدرنا ظهورنا لأوكرانيا الباسلة». «جونسون» ذكر صراحة فى مقاله أن الحرب ستستمر لسنوات، ووضع ما يشبه خطة عمل واجبة للمعسكر الذى يمثله، باعتبار ما يجرى على الأراضى الأوكرانية يمثل تهديداً للأمن والسلام العالمى، واصفاً أحداث الحرب بأنها تدخل الآن مرحلة جديدة تستوجب مهام مختلفة، تتجاوب مع طول أمدها المتوقع الذى أكده طوال الوقت.

بالتأكيد وضعية كل من الأمين العام للناتو ورئيس وزراء بريطانيا، تضفى على ما ذكره كل منهما أهمية تستدعى الانتباه، فهما يمثلان بالتأكيد موقعاً متقدماً فى قيادة الجهد الغربى المساند لأوكرانيا فى تلك الحرب. وقبل ذلك يملكان ما يمكن اعتباره رؤية للمنهج الاستراتيجى للحلف الأطلسى تجاه تلك الأزمة، ولهذا بقراءة متأنية لما حرص «جونسون» على نشره فى مقال افتتاحى للجريدة الشهيرة، نجد العديد من ملامح تلك الرؤية الاستراتيجية حاضرة وبقدر من التفصيل يساعد على الفهم بسهولة. بداية من اختياره للعنوان ووصفه أوكرانيا بـ«الباسلة» وربطها بالأمن الأوروبى على هذا النحو، وفى غالبية ما جاء على ذكره بشأنها كدولة ونظام سياسى يحكمها بقيادة الرئيس زيلينسكى، يعتبرها ساحة للمعركة ومسرح عمليات للمواجهة الغربية مع طموحات وأطماع الجانب الروسى. ويعد ذلك أول إفصاح مباشر من دولة رئيسية فى الحلف أن الأمر بات يتجاوز تقديم المساعدات، إلى إظهار المشهد على حقيقته، من أن الغرب يرى أن الرئيس بوتين لن يتوقف عند تقطيع أوصال أوكرانيا، على خلفية مقارنته لنفسه ببطرس الأكبر مؤخراً، مما يعد ترسيخاً لحقوق تتجاوز الخطوط الحمراء الأوروبية الغربية. فوفق هذا الاعتبار يمكن لروسيا استعادة أى من الأراضى التى كانت مسكونة قبلاً بالشعوب السلافية، وهى عقيدة تفتح الباب أمام غزو روسيا لمساحات شاسعة من أوروبا بما فى ذلك الدول الحلفاء للناتو.

تلك هى الهواجس التى عبر عنها جونسون، ومن أجلها وجّه تقديراً كبيراً للبطولة والتضحية الأوكرانية بوصفها الحقيقة الأكثر أهمية، التى نجحت فى «إيقاف» المطامع الروسية طوال أربعة أشهر، بإسناد من «العزيمة الحديدية» التى اتخذتها المملكة المتحدة وحلفاؤها. فى هذا الإطار قدم تقييماً للفترة السابقة، يحذر فيه من الانخداع بالقوة النارية الروسية الكاسحة، مؤكداً أنها لن تترجم فى النهاية إلى تحقيق مكاسب ثابتة على الأرض. كما وجّه تحذيراً مهماً للمخاطبين من أطراف معسكره، أن القوة العسكرية الروسية قد تذهب إلى استنزافهم فى حرب طويلة، لذلك يدعوهم إلى «تقوية أنفسنا»، باعتبار أن بوتين لا يملك خيار التراجع حتى وإن لم يحقق نتائج حاسمة. هذا المفهوم صحيح من وجهة النظر الروسية، وقد صرح بذلك القادة الروس فى أكثر من مناسبة لعل أشهرها وأكثرها وضوحاً، أحاديث المفكر السياسى الروسى الكبير «ألكسندر دوجين» أثناء شهور الحرب فى أكثر من وسيلة إعلامية روسية وغربية، يصف فيها المعادلة الاستراتيجية الروسية الراهنة بالخيار الوحيد المطلق، «إما أن تنتصر روسيا، أو لن يكون هناك العالم الذى نعرفه اليوم» وقد ذكر ذلك نصاً وبتنويعات مختلفة فى مرات عدة، ودوجين له لقب شهير منذ شغل منصب رئيس خبراء الجيوبولوتيك التابع للمجلس الاستشارى المتخصص فى شئون الأمن القومى الروسى بالكرملين، باعتباره «عقل بوتين».

لذلك قد تبدو النظرة المتشائمة تجاه الامتداد الزمنى الطويل للحرب، لها وجاهتها ومبرراتها التى تعكسها وجهة نظر الطرفين المعلنة والمتصادمة. يغذى تلك الاحتمالية بقوة سيناريوهات العمل العسكرى على الأرض، التى تبدو فى مجملها ترسخاً لهذا المنطق، فالعمر الزمنى لتلك الحرب أربعة أشهر أفصحت عن تعقيدات وإشكاليات عديدة، منها عدم قدرة الجانب الروسى بكثافة النيران المستخدمة على تحقيق الحسم المنتظر، بل وباتت مهمة الإمساك بالأرض المحروقة المدمرة والخالية فى أغلبها من السكان، لها كلفة يسعى الغرب منذ البداية لجعلها باهظة على الجانب الروسى. والآن فى تلك المرحلة يكشف كل من الأمين العام للناتو ورئيس الوزراء البريطانى عن تطوير وتعزيز أداء وإمكانيات الطرف الأوكرانى، كى لا يقتصر على النجاح فى رفع الفاتورة الروسية، بل والقدرة على الاسترداد فى بعض المحاور التى تعيق وتعيد الأوضاع لسيرتها الأولى. مما يجعل القدرة الروسية فى حالة دوران فى فراغ الاستخدام المفرط للقوة، ومن ثم إعادة إنتاج الجهد العسكرى بكل أعبائه من أجل ضمان عدم إفلات الغنائم من يده، ونموذج جبهة «ميكولايف» خير مثال على التوجه الجديد. فالمدينة التى تقع على الطريق المؤدى إلى «أوديسا» أكبر ميناء فى أوكرانيا، ما زالت تحت السيطرة الأوكرانية، رغم كونها قريبة جداً من «خيرسون» التى يحتلها الروس بالكامل.

بعد أن نجح المقاتلون الأوكران بالأسلحة المتطورة فى حماية ميكولايف واسترداد الطرق المؤدية لها من القوات الروسية، بدت نظرية الزمن التى أوردها «جونسون» فى مقاله باعتباره لن يكون فى صالح القوة الروسية الكاسحة فى النهاية، بل يمكن للغرب أن يطوعه لصالح تحقيق نصر عسكرى وإن طال أمده، هى ما يراهن عليه المعسكر الغربى فى ظل مراهنة روسية على نفس العامل، باعتباره سيرهق جميع الأطراف سواها، ليظل السقف والامتداد الزمنى مفتوحاً دون بارقة قريبة حتى الآن على الأقل.