أهالى شلاتين وحلايب لـ«الوطن»: مبارك رفض استخراج شهادات ميلاد لنا

كتب: إيهاب العجمى

أهالى شلاتين وحلايب لـ«الوطن»: مبارك رفض استخراج شهادات ميلاد لنا

أهالى شلاتين وحلايب لـ«الوطن»: مبارك رفض استخراج شهادات ميلاد لنا

لم يشعر أهالى شلاتين وحلايب بوجود الحكومة التى أهملتهم فى العهود السابقة، ولم تكن المعاملة من طرف واحد، وكانت من كلا الطرفين، فتعامل الرئيس الأسبق حسنى مبارك معنا وكأننا من كوكب آخر، أو كما يتعامل الناس مع الطفل اللقيط، يرفض الأب أن يعترف به ويعتقد أنه جاء نتيجة علاقة غير شرعية، كانت الحكومة تخرج لنا ألسنتها وتقول بالفم المليان «اللى مش عاجبه يشوف حكومة تانية تحكمه ووطن تانى»، وكأنها تعايرنا بأننا مواطنون درجة رابعة، من هنا أصيبت العلاقة بين أبناء جنوب البحر الأحمر والحكومة بشروخ عميقة فى عهد مبارك. وعندما سقط مبارك وجاء محمد مرسى كنا نعتقد أنه سيحول الدنيا إلى جنات تجرى من تحتها الأنهار، لكننا شربنا أكبر مقلب فى حياتنا، وطلع خاين عديم الوطنية، وكان يخطط لبيع حلايب للسودان مقابل صفقة «جِمال» أو شنطة دولارات، أما الرئيس عبدالفتاح السيسى «فإحنا بنحبه لله فى لله»، لكن نريد منه الوضوح، فهو لا يحمل فى يده عصا سحرية ونحن لدينا استعداد أن نصبر، لكن نأمل أن تفى الحكومة بوعودها معنا.. هكذا تحدث أهالى شلاتين وحلايب لـ«الوطن»، التى راحت ترصد حقيقة الأوضاع هناك.. إلى التفاصيل: يقول عم محمد عشرى: «كنا بصحبة اللواء أحمد عبدالله، محافظ البحر الأحمر، الذى يحمل فى جعبته الكثير من الخير والمستقبل لأبناء الجنوب، بناء على توجيهات الرئيس السيسى. عشرى من مواليد 1965 ولد وعاش وسط الجبل، والآن لديه 5 أبناء يقول: «عشت حياة قاسية جداً فى عهد مبارك لدرجة أن الدولة لم تكن تعترف بنا، وكنا مهددين بالاعتقال لو حد فكر يعترض، لم أكن أحمل شهادة ميلاد ولا بطاقة رقم قومى، وأبنائى أيضاً لا يحملون أى إثبات مواليد أو شخصية، على الرغم من أنهم مصريون أباً عن جد، لكن مبارك كان لا يعترف بنا وعشنا حياتنا فى التنقل بين الكهوف والجبال بحثاً عن الرزق فالمهنة الوحيدة التى يجيدها أهل الجنوب هى الرعى». يقول سلامة العرباوى إنه «لم يعد يثق فى الحكومة بعد ما تعرضوا له خلال عهد مبارك، الذى رفض الاعتراف بهم ولم يمنحهم حتى شهادة الميلاد لدرجة أن الحكومة كانت تمنح الخيول العربية شهادات ميلاد، بينما رفضت منح أبناء الشلاتين شهادات ميلاد ولم تكن تعترف بهم». أما جمعة عبدالله، شيخ قبيلة «الجاهلية»، فقال «إن عهد مبارك كان أسود عهود المصريين فى كل محافظات مصر، وليس فى شلاتين فقط، ومرسى لم نعره أى اهتمام ولم نكن نعترف به، فهو لا يصلح شيخ قبيلة صغيرة مش رئيس جمهورية، لكن نحن لدينا ثقة كبيرة فى الرئيس عبدالفتاح السيسى، وسوف نقف فى ظهره ونحمى الحدود الجنوبية بأجسادنا ونقول له لا تحمل هم الحدود مع السودان، فالعالم كله يعلم أن شلاتين وحلايب مصرية مائة فى المائة». أضاف الشيخ عبدالله، أنه لا يريد من الدولة إلا الاهتمام بالأجيال المقبلة بالنسبة للذكور، أما الفتيات فيتزوجن بداية من سن 16 سنة، ويخشون عليهن من استكمال تعليمهن فى المرحلة الثانوية أو الجامعية. خلال الجولة زرنا مدارس الشلاتين مع اللواء أحمد عبدالله، محافظ البحر الأحمر، الذى حضر طابور الصباح وسط تلاميذ مدرسة الشلاتين الابتدائية، ونحن فى طريقنا للمدرسة وجدنا أن سيارات النصف نقل هى وسيلة المواصلات الوحيدة التى يذهب بها التلاميذ إلى مدارسهم، يكتظون داخلها بالعشرات مثل «علبة سردين»، بعض هذه السيارات مغطى، والآخر مكشوف، المشهد كان يثير الغضب، وخاصة بعد كوارث حوادث تلاميذ المدارس الأخيرة التى راح ضحيتها العشرات. أطفال فى مقتبل العمر لا يعرفون من متع الدنيا إلا «حفنة الدوم»، التى كان يحملها إسلام محمد داخل كيس بلاستيك صغير ينهشها وقت الجوع أثناء اليوم الدراسى بمدرسة الشلاتين الابتدائية، والذى أخبرنا بأنه فى الصف السادس الابتدائى وكان يتغيب عن المدرسة منذ أن التحق بالتعليم، حتى وقت قريب بسبب عدم وجود مواصلات للمدرسة داخل المدينة، وغالبية زملائه كانوا غير منتظمين فى الدراسة بسبب قسوة الحياة هناك وإهمال المسئولين، لكن الحال قد تغيير كثيراً، على حد قوله، فهو يرى أن السيارة النصف نقل هى الوسيلة الوحيدة الآمنة، وفى السنوات الماضية كان التلاميذ يذهبون مدارسهم على سيارات «كارو». «إسلام» لا يعرف مدير مدرسته ولا وزير التربية والتعليم، لكنه يعرف جيداً المحافظ اللواء أحمد عبدالله، الذى حضر أكثر من مرة للمدرسة وقرر أن يوزع عليهم مصروفاً يومياً وسندويتشات، وهو ما جعل إسلام يعرفه جيداً.[FirstQuote] اصطحبنا أحد المدرسين إلى داخل الفصول، فوجدنا فصولاً من خشب، وأخبرنا المدرس الذى رفض نشر اسمه أن وزير التربية والتعليم محمود أبوالنصر، على علم بكل مشاكل وهموم المدارس فى الشلاتين لكنه لا يريد أن يقتحمها ويجد لها حلولاً فورية لأنها مدارس الغلابة والبسطاء مدارس الناس المهمشين على حد قوله. وأخبرنا بأن المدرسة بها قسم بالكامل عبارة عن فصول من الخشب به فتحات كبيرة تؤذى التلاميذ، فتدخل منها أشعة الشمس فى فصل الصيف، وتخترقها مياه الأمطار فى الشتاء، وهناك العشرات من الشكاوى لوزير التربية والتعليم، لكن تلاميذ المدرسة عرضوا هذه المأساة على المحافظ الذى قرر على الفور هدم هذه الفصول الخشبية وبناء مبنى كبير متكامل بدلاً منها. وبحرقة شديدة، قال تلميذ فى الصف الخامس الابتدائى: «بنموت يا أستاذ من شدة البرد والأمطار فى فصل الشتاء ومعندناش هدوم تقيلة تحمينا من المطرة»، وقال تلميذ آخر إنهم يشكون للمدرسين لكنهم يعاقبونهم بالضرب المبرح، وهم كانوا لا يذهبون للمدرسة فى السنوات الماضية لعدم وجود وسائل للمواصلات ولا مدارس نظيفة، وقال تلميذ ثالث إن الفصول فى الصيف بلا إضاءة ولا تهوية لأن اللصوص سرقوا لمبات المدرسة والمراوح أيضاً سرقوها من الأسقف، كما أخبرنا تلميذ رابع أن والده لا يملك المال لكى يشترى له الزى المدرسى. انتقلنا بصحبة المحافظ إلى مدرسة أخرى فى قرية «أبوزعف» بين رحم الجبال وتبعد عن شلاتين بحوالى 210 كيلو. الوضع هناك كان غاية فى السوء، فالمدرسة عبارة عن كشك خشبى صغير بداخله حوالى 8 دكك مدرسية متهالكة، وجميع تلاميذ القرية يتعلمون داخل هذا الكشك، دون منهج محدد فكل المراحل التعليمية الابتدائية تجلس داخل هذا الكشك، ولا يوجد إلا مدرس لغة عربية واحد وشيخ مسجد يفترض أنه مدرس التربية الدينية، وهنا كلف اللواء أحمد عبدالله، وكيل وزارة التربية والتعليم بسرعة بناء فصول دراسية وحل مشكلة التلاميذ أبناء القرية ومنحهم مصروفاً يومياً للمدرسة ووجبة غذائية. على الرغم من تدهور التعليم فى مدينة الشلاتين خلال العهود السابقة، فإن الدولة بدأت تحمل على عاتقها التصدى لمشاكل التعليم هناك، ووضع خطة للنهوض به من خلال توجيهات محافظ البحر الأحمر الذى غير بنسبة 90% معالم المدارس هناك، إضافة إلى تحمل المحافظة نفقات عدد من طلاب الثانوية العامة لإلحاقهم بكليات القمة ومنها كليات الطب، ووعدهم بالعمل فى مدينتهم عقب تخرجهم وخاصة الطبيبات، كما نجح المحافظ فى تمكين 9 طالبات من خريجى الثانوية التجارية من الالتحاق بكلية التجارة جامعة أسوان، هناك أيضاً مصروف يومى حدده المحافظ لتلاميذ المدارس وخصص عبدالله مبلغ 600 ألف جنيه، تحت حساب مصروف يومى لتلاميذ الشلاتين بواقع 5 جنيهات لكل تلميذ يومياً إضافة إلى وجبة غذائية. أيضاً هناك مشكلة السكن وهى الأكثر إرهاقاً للناس فى شلاتين، ونجح المحافظ أحمد عبدالله فى القضاء عليها تدريجياً، وفى خلال شهور قليلة تمكن من بناء 450 وحدة توطين تم توزيعها على الأهالى وهى مرحلة أولى.[SecondQuote] من جانبه، قال اللواء أحمد عبدالله، محافظ البحر الأحمر لـ«الوطن»: «حلايب وشلاتين جزء لا يتجزأ من مصر ولن نفرط فى متر واحد من أراضينا، وهذه المسألة تم حسمها من قبل الدولة ولن تفتح مرة أخرى». أضاف «عبدالله»: «هناك مشاكل متراكمة منذ سنوات طويلة جداً فى العهود السابقة، ولكنّ هناك حلولاً جادة الآن تنفذ على أرض الواقع للقضاء على كل هذه المشاكل، وبالفعل تم حل مشكلة السكن ووزعنا عدداً كبيراً من وحدات التوطين، وجارٍ إنشاء عدد آخر، والصحة نجنا فى تطويرها ووفرنا المناخ المناسب للأطباء المقيمين فى شلاتين وحلايب من أجل تقديم أفضل خدمة صحية، كما تم رفع كفاءة الطرق، وبدأنا إدخال الطاقة الشمسية، وحولنا الجبل إلى واحة خضراء لدعم حرفة الزراعة وتوفير فرص عمل للشباب، فأبناء حلايب وشلاتين على رأس اهتمامات الرئيس السيسى».