الصيام والأزمات العالمية

أميرة خواسك

أميرة خواسك

كاتب صحفي

فى كل عام حين يهل علينا شهر رمضان الكريم يسعى كل منا للاجتهاد للفوز برضا الرحمن وغفرانه، آملاً أن يغفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشهر رمضان فى هذا العام أتى والعالم على شفا حرب عالمية ثالثة، تتلاطم أمواجه بين نزاعات سياسية، وأزمات اقتصادية طاحنة، ووباء ما زال يلقى بظلاله القاتمة على كل الدنيا.

أعتقد أن هذه الصراعات والأزمات هى فرصة كبيرة للتأمل فيما يجرى حولنا وكيف نواجهه بنظرة أكثر عمقاً لما نراه، وربما يتحتم علينا أن نعيد النظر فى عاداتنا المتوارثة خلال هذا الشهر الكريم، ولعل تلك الظروف الطارئة، التى لا ندرى إلى أين ستأخذ العالم وكيف ومتى ستنتهى؟ هى فرصة مناسبة!

ربما تكون موائدنا هى أول ما نراجعه، فلا يمكن أن يكون الصيام قد فُرض ليكون مناسبة لحشد ما لذ وطاب من الطعام، وأن تمضى ربة المنزل يومها فى طهى ما يرضى كل أفراد الأسرة، وأن يرتفع استهلاكنا من المواد الغذائية كما لو كنا فى سباق. إلى الآن لا أدرى لماذا لا نتخفف من هذه الظاهرة ونواجهها ونقضى عليها؟ ولن أطلب أن نكون زاهدين فيما نتناوله، وإن كان هذا يتطلب درجة عالية من الإيمان والوعى، لكنى أتمنى على الأقل أن تكون مائدة رمضان مثل بقية أيام العام.

الأمر الثانى هو هذا الحشد الكبير من الأعمال الدرامية التى من المؤكد أنها تعطل الكثيرين عن العبادات وعن التفرغ لأداء النوافل والتأمل وتنقية النفس، فيلهث الناس بين القنوات لمتابعة المسلسلات والإعلانات والبرامج التافهة فى وقت هم أحوج فيه للانفراد بأنفسهم، صحيح أن كل واحد على نفسه رقيب ومسئول، لكن النفس البشرية أضعف من مقاومة اللهو والتسلية، وهو أمر شديد الصعوبة.

أما الأمر الثالث فهو أن نمنح أنفسنا الوقت والفرصة للتأمل فى فلسفة هذا الشهر الكريم، بعيداً عن فكرة أن يشعر الغنى بما يعانيه الفقير، فلا بد أن لله حكمة كبرى من وراء هذه الفريضة التى هى لله وحده ولا يدرى بها غيره، ويحضرنى هنا مقال كتبه المفكر محمود شاكر، رحمه الله، عنوانه «عبادة الأحرار»، يقول فيه عن المسلمين: «حرصوا على الحياة وأسباب الحياة، فذلوا حتى أماتهم الذل، ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت لعزوا به فى الحياة الدنيا والآخرة. لقد كُتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكننا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كُتبت علينا إلى معنى الطعام نتخفف منه لتصح أبداننا، ونبذله لنواسى فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا».

ثم يضيف دكتور شاكر: «الصيام كما كُتب على أهل هذا الدين طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأتيها الغنى الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها فرادى فى غير شهر رمضان لا ليعيشا فى معانى المعدة بالبذل أو الحرمان، بل ليخرجا معاً سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معاً سواء من سلطان الشهوات، بل ليخرجا معاً سواء من سلطان كل نقيصة».

فى النهاية لعل ما يعانيه العالم اليوم من أزمات يمنحنا الفرصة الحقيقية للتأمل والتدبر فى حكمة هذه العبادة العظيمة التى لم نصل حتى الآن إلى جوهرها.