الإسكندرية: قوارب الصيد وسيلة أطفال «باب العبيد» لطلب العلم

كتب: دارين فرغلى

الإسكندرية: قوارب الصيد وسيلة أطفال «باب العبيد» لطلب العلم

الإسكندرية: قوارب الصيد وسيلة أطفال «باب العبيد» لطلب العلم

استيقظ من نومه باكراً، حمل حقيبته وأمسك بيد جدته جيداً، ليبدأ معها رحلته الطويلة، فى مسافة يقطعها يومياً من منزله بمنطقة نجوع باب العبيد إلى الطريق الصحراوى المؤدى إلى الإسكندرية، طالما ألح الطفل ذو الثمانى سنوات على أبيه أن يوفر له سيارة أو «توك توك» يسير به عبر هذا الطريق الترابى الطويل ويذهب به إلى أقرب منطقة سكنية، حيث يتمكن هناك من أن يركب أى وسيلة مواصلات ويذهب لمدرسته، ولكن الأب فى كل مرة كان يقول له إن هذا الأمر صعب للغاية، لأنه لا توجد وسيلة مواصلات أياً كان نوعها تقبل بالدخول إلى منطقة «باب العبيد»، إذ لن يجازف أحدهم بالسير عبر هذا الطريق الترابى المتعرج من أجل بضعة جنيهات، فلا يجد «رحيم» أمامه إلا طريقتين يستخدمهما للوصول لمدرسته الابتدائية، إما أن يسير عبر هذا الطريق الذى يبلغ طوله ما يقرب من 5 كيلومترات ويغامر بالوقوف فى الطريق الصحراوى ويشير بيده الصغيرة إلى أحد الميكروباصات المارة بسرعة فائقة لعلها ترحمه وتذهب به إلى مدرسته، وإما أن يذهب للمدرسة بقارب صغير كما يفعل أقرانه، فيمر عبر مصرف سيدى غازى داخل القارب الذى يحركه أحد الآباء باستخدام «مدراة»، أو عصا طويلة يغرسها فى قلب المصرف، ليتمكن من تحريك القارب حتى يصل إلى الناحية الأخرى، حيث يوجد طريق مستوٍ، حينها يكون من السهل على الطلبة استخدام وسيلة مواصلات، أو السير على أقدامهم مسافة لا تقل عن 4 كيلومترات ليصلوا بعدها إلى مدارسهم.[SecondImage] روايات كثيرة ترويها جدة «رحيم أحمد عبدالرحمن» له أثناء سيرهما عبر المخرج الوحيد من المنطقة والمؤدى إلى طريق إسكندرية الصحراوى لعلها تنسيه صعوبة الطريق وعناء السير لمسافة طويلة، إحدى تلك الروايات هى قصة تسمية منطقة «باب العبيد» بهذا الاسم، تقول الجدة لحفيدها إنه كان هناك مجموعة من أصحاب البشرة السمراء تم استئجارهم فى الماضى البعيد لحفر بحيرة مريوط، ومنذ ذلك الحين سميت المنطقة بـ«باب العبيد»، وهى تضم مجموعة نجوع منها «نجع شرارمة» و«أبوالخير»، و«باب العبيد». أهالى «باب العبيد» جميعهم من البدو، دنياهم كلها داخل هذه القرية، بسيطة إلى أبعد حد، لا ملامح لأى نهضة أو تحضر، هنا فقط مجموعة بيوت مبنية من الطوب، وهنا يعمل أغلب الآباء بمهنة الصيد، والبقية يعتمدون على تربية المواشى والطيور، وهنا أيضاً لا تبرح النساء أماكنهن إلا للضرورة القصوى فهكذا عادات وتقاليد البدو، أما الأطفال فالأرض حولهم واسعة يلعبون ويمرحون فى أى شبر فيها كيفما شاءوا حتى إن بعضهم أقام لنفسه ملعباً خاصاً أحاطوا فيه قطعة أرض ترابية بمجموعة من الحجارة لتحديد ملامحه. ذات صباح استيقظ «رحيم» واستعد للذهاب إلى مدرسته بصحبة جدته، بدا اليوم عادياً كبقية الأيام، صحيح أنه سيضطر للسير على الطريق الترابى لأن جدته لا تستطيع التجديف فى القارب، ولأنها لم تتعلم السباحة مثل كل رجال القرية لأنها امرأة بدوية، إلا أن اليوم لا يزال عادياً، روايات من الجدة، وطريق ترابى، وإرهاق شديد، وما إن انتهى الطريق الترابى ووصل الحفيد والجدة للطريق الصحراوى حتى اقتربت منهما سيارة تتحرك بسرعة جنونية، حاولت الجدة إبعاد الحفيد، ولكن سرعتها كانت أقل من سرعة السيارة بكثير فاصطدمت بالطفل لتملأ دماؤه المكان، وينتهى الأمر بأن يكتب اسم «رحيم» فى دفاتر حوادث الطرق.[ThirdImage] لم يكن «رحيم» أول ضحايا عدم وجود طريق مرصوف فى قريته الصغيرة، بل إن كثيرين غيره غرقوا، وآخرين تم إنقاذهم فى اللحظة الأخيرة أثناء مرورهم عبر هذا القارب الصغير، صحيح أن كل أطفال القرية يتعلمون السباحة ما إن يبلغوا سن السادسة حتى يستطيعوا الذهاب إلى مدارسهم غير مكترثين بأى رياح تأتى بما لا تشتهى قواربهم الصغيرة فتسقطهم فى قاع المصرف، إلا أن هذا لم يشعر أسرهم يوماً بالأمان، بل إن بعض الأهالى يقفون حتى يتأكدوا من مرور أبنائهم بسلام للجانب الآخر، ويعودون ليكرروا نفس المشهد أثناء عودة الأطفال من مدارسهم، هكذا يقول شريف عبدالرؤوف أحد أهالى المنطقة، مضيفاً «أخاف على أبنائى كثيراً من العبور عبر هذا القارب الصغير خاصة فى فصل الشتاء حين يزيد منسوب المياه وتشتد سرعة الرياح وتهطل الأمطار بغزارة ويكون استخدام القارب ضرباً من الجنون وهذا ما يجعلنا نضطر لمنعهم من الذهاب إلى مدارسهم فى أغلب أيام فصل الشتاء». أما «محمد سلطان عبدالحافظ» فرغم أنه لا يزال طالباً فى الصف الثالث الابتدائى، لكنه يشعر بالخوف من أن يأتى اليوم الذى يضطر فيه أبواه إلى منعه من استكمال تعليمه بسبب تكرار حوادث الطرق والغرق، المأساة نفسها حدثت مع والده من قبل حينما منعته والدته من استكمال تعليمه بعدما أصيب فى حادث طريق أثناء ذهابه إلى المدرسة «صحيح أن الذهاب إلى المدرسة عذاب كل يوم لكن أنا عاوز أكمل تعليمى وأدخل الجامعة» هكذا يتمنى الطفل الصغير. ربما تعد منطقة نجوع باب العبيد من أفقر المناطق بمحافظة الإسكندرية، ربما يعود هذا لحياتهم البدوية، ولكن الطموح يملأ قلوب الصغار، والأمل فى غد أفضل من أمس آبائهم وأجدادهم يداعب أحلامهم الصغيرة، وهم لا يطمحون فى الكثير، فقط رصف الطريق فى منطقتهم ليتمكنوا من الذهاب والإياب إلى ومن مدارسهم بسهولة ودون أن يفقدوا كل يوم «رحيم» جديداً. يجلس الأطفال فى القارب الصغير بينما يقف على حافته أحد شباب القرية ممسكاً بتلك العصا التى يحرك بها القارب، يتمايل الصغار يمينا ويساراً مع القارب، يطلب منهم الشاب التشبث جيداً، تجلس بينهم طفلة تدعى «إسراء»، هى الآن فى مثل عمر أخيها «رحيم»، يقف الأب على حافة المصرف حيث تنطلق القوارب حاملة الطلبة، ينظر إلى ابنته ويدعو لها بأن تعود إليه سالمة، ويترحم على صغيره ثم يرحل فى صمت.