أزمة القمح: التوريد الإجبارى قرار دستورى
- الثانوية العامة
- اللغة الإنجليزية
- رئاسة الجمهورية
- صدمة نفسية
- كلية العلوم
- مجلس الوزراء
- وزارة التربية والتعليم
- أدوية
- أشعة
- ألم
- الثانوية العامة
- اللغة الإنجليزية
- رئاسة الجمهورية
- صدمة نفسية
- كلية العلوم
- مجلس الوزراء
- وزارة التربية والتعليم
- أدوية
- أشعة
- ألم
تحت ضغط أزمة عالمية طارئة، لجأت الحكومة المصرية إلى إجراء استثنائى فى التعامل مع محصول القمح المحلى. فقد أصدر وزير التموين قراراً بإجبار المزارعين -لأول مرة منذ عام 1994- على توريد 12 أردب قمح على الأقل عن كل فدان. العديد من الخبراء والتجار والمزارعين اعترضوا على هذا القرار لأنه يتعارض مع اتفاقيات تحرير التجارة التى وقعت عليها مصر، وينطوى على مخالفة للمادة 29 من الدستور المصرى.
والحقيقة أن اتفاقيات التجارة الحرة ظلت وسوف تظل مجرد وسائل ضغط تستخدمها القوى المسيطرة لمواصلة نهبها للعالم النامى وللدول الفقيرة، ثم تتحول فوراً إلى أوراق معدومة القيمة لا تلتزم بها القوى المسيطرة إذا ما تعرّض اقتصادها لظرف استثنائى.
ولعل أصداء الحروب التجارية التى أثارها رئيس أمريكا السابق دونالد ترامب، ما زالت ماثلة فى أذهان الكثيرين، فقد فرض «ترامب» تعريفات جمركية ضخمة عام 2018 على واردات الصلب والألومنيوم من الصين وكندا والاتحاد الأوروبى والمكسيك والأرجنتين وأستراليا والبرازيل، وفى عام 2020 التقى «ترامب» مع ممثلى شركات الصيد من ولاية «مين» الأمريكية، واستمع إلى شكواهم من الرسوم الجمركية التى تفرضها دول الاتحاد الأوروبى على واردات أمريكا من جراد البحر والمأكولات البحرية، فإذا به يوجه إنذاراً شديد اللهجة إلى أقرب حلفاء أمريكا: «سنفرض رسوماً إضافية على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبى حتى يتم رفع الرسوم المفروضة على جراد البحر الأمريكى».
لتذهب إذاً اتفاقيات التجارة الحرة، واتفاقيات تحرير الزراعة إلى الجحيم، فليس هناك ما هو أهم من حماية الأمن الغذائى المصرى وتوفير رغيف العيش للمواطنين، فى ظل أزمة عالمية طارئة ضاعت معها فرصة استيراد 80٪ من الأقماح المستوردة من أوكرانيا وروسيا.
القرار المصرى بالعودة إلى التوريد الإجبارى للقمح المحلى، قرار مشروع وصائب إلى أقصى حد، ولا تملك منظمة دولية ولا دولة عظمى طامعة فى أسواقنا أن تطالبنا بإعادة النظر فيه، لأن كل الهيئات والمنظمات التى تتابع تطبيق اتفاقيات التجارة الحرة، لم تجرؤ فى يوم من الأيام على مراجعة الدول الكبرى فى قرارات خرق هذه الاتفاقيات لحماية أسواقها من الإغراق، وتوفير الحماية الكاملة لمنتجاتها الوطنية.
أما عن مخالفة قرار التوريد الإجبارى للمادة 29 من الدستور المصرى، فالحقيقة أنه لا توجد أدنى مخالفة، إذ تنص المادة فى فقرتها الثانية على: «تلتزم الدولة بتوفير مستلزمات الإنتاج الزراعى والحيوانى وشراء المحاصيل الزراعية الأساسية بسعر مناسب يحقق هامش ربح للفلاح». مبدأ الشراء الإلزامى للمحاصيل الأساسية منصوص عليه إذاً فى المادة 29، والخلاف الوحيد المشروع بين المنتجين والدولة يتعلق بتقدير «السعر المناسب الذى يحقق هامش ربح للفلاح». والذى حدث أن اللجنة التى قدرت سعر توريد أردب القمح بأسعار تبدأ من 865 جنيهاً، وتنتهى عند 885 جنيهاً، لم تراعِ إطلاقاً توحش أسعار مدخلات الزراعة من طاقة ومبيدات وأسمدة وأجور عمالة وسعر إيجار الأرض الذى وصل إلى نحو 15 ألف جنيه للفدان فى العام.
إن انفلات أسعار المدخلات الزراعية وانعدام رقابة الجهات المختصة على نوعية وأسعار معظم المدخلات -خصوصاً المبيدات والأسمدة- رفع تكلفة الإنتاج الزراعى بما يفوق قدرة الغالبية العظمى من المزارعين على مواصلة الإنتاج من الأساس، وحتى الفئة القليلة التى تزرع مساحات شاسعة وتستخدم أحدث التقنيات، باتت عاجزة عن مواصلة الإنتاج بسبب ارتفاع أسعار المدخلات وتقلب الأسواق وسيطرة فئة مسعورة على احتكار تسعير المدخلات والإنتاج بما يحقق لها أرباحاً طائلة على حساب المنتجين.
الأمر الآخر الذى لم تنتبه له اللجان المكتبية التى وضعت أسعار توريد القمح للحكومة، هو كوارث تغير المناخ التى تسببت فى تخفيض إنتاجية معظم المحاصيل الحقلية والبستانية، وإذا كان وكلاء وزارة الزراعة فى المديريات حريصين على رفع تقارير دورية بارتفاع الإنتاجية فى مديرياتهم، فإن واقع الإنتاج يشير إلى تلفيق هذه التقارير، وقد عاينتُ بنفسى مهازل يندى لها الجبين، وسألتُ عدداً من كتبة هذه التقارير الملفقة عن أسباب عدم مصارحة الوزير ومساعديه بحقيقة الإنتاج، وأجابوا جميعاً بأن من يجرؤ على قول الحقيقة يُطاح به من منصبه على الفور!.
والحاصل أن مساحات شاسعة من الأراضى المزروعة بالقمح فى الدلتا والوادى والصحارى انخفض إنتاجها فى السنوات الأخيرة من 18 أردباً للفدان إلى إنتاج يتراوح بين 8 و12 أردباً فى أفضل الأحوال، بسبب صدمة المناخ، وإذا كان الإنتاج قد تحسن قليلاً هذا العام بعد تدوير زراعة الأصناف بين المحافظات، فإن متوسط الإنتاج لا يمكن أن يتجاوز سقف الـ15 أردباً للفدان على أقصى تقدير، وستظل هناك مساحات شاسعة لن تحقق أكثر من 12 أردباً، فضلاً عن نسبة لا يُستهان بها من الأراضى المزروعة بالقمح تعرّضت خلال السنوات الماضية للتملُّح والتطبيل وزحفت عليها أعراض التصحر، وإنتاجها من القمح لا يكاد يصل إلى أكثر من 10 أرادب للفدان، وبعضها ينهار إلى أقل من ذلك.
والحال كذلك، قد نواجه مصاعب إضافية فى تطبيق قرار إجبار المزارعين على توريد 12 أردب قمح عن الفدان، دون تفرقة فنية صارمة بين الأراضى التى يمكنها تحقيق إنتاجية تدور حول 15 أردباً، وتلك التى قد ينهار إنتاجها إلى ما دون الـ12 أردباً.
إننى أتصور مزارعاً فى الوادى أو الدلتا أو الصحراء، لم يحقق هذا العام أكثر من 10 أرادب قمح للفدان، وإذا بالحكومة تطالبه بتوريد 12 أردباً حتى لا يقع تحت طائلة قانون يهدده بالغرامة والحبس، كيف سيتصرف هذا المزارع؟ ومن أين له بالكميات الإضافية لاستكمال نصابه من التوريد الإجبارى؟ وبكم سيشتريها من التجار الذين يشترون الأردب الآن بأكثر من 1200 جنيه؟!
قضية التسعير إذاً هى المشكلة الأولى، وقضية تقدير إنتاجية الفدان اعتماداً على تقارير مسئولى الزراعة فى المديريات هى الكارثة الكبرى، وعندما ينتهى موسم حصاد القمح ستقع كل تبعات عدم الالتزام بتوريد 12 أردباً عن كل فدان على رؤوس المزارعين، لأنه من السهل جداً أن يتكاتف الموظفون الكبار والتجار ويستميتوا لإثبات أن المزارعين يتهربون من توريد إنتاجهم للحكومة، وفى ظل انعدام وجود جهات منظمة تتبنى مظالم المزارعين وتجتهد لكشف أكاذيب كبار الموظفين، ستنهال الغرامات وقرارات الحبس على المزارعين الأبرياء لتضيف مآسى وفواجع إضافية تجهز على البقية الباقية من قدرة المزارعين على الاحتمال.