أحلام الطفل «ناصر».. شهادة من إحدى قرى «حياة كريمة»
قطعنا مسافة تزيد على 300 كيلومتر، من مركز أسوان إلى إحدى القرى الصغيرة الموغلة فى الصحراء التابعة لمركز إدفو. درستُ الجغرافيا جيداً، وزرتُ أسوان أكثر من مرة، لكنى لم أكن أدرك أبداً أن أسراً وعائلات يعيشون على هذه الأطراف البعيدة.
ما زلت أتذكر ذلك اليوم جيداً الذى صادف عيد ميلادى الثانى والثلاثين فى الأول من مارس 2021. ما زلت أتذكر اليوم جيداً، ليس لصدفة عيد الميلاد، وإنما لشهادة احتفظت بها لأكثر من عام، وربما جاء الوقت لذكرها.
لأكثر من أربع ساعات على الطريق، كنت بصحبة زملائى شركاء الفيلم الوثائقى «حياة كريمة»، الذى أنتجته وحدة الأفلام الوثائقية بشبكة قنوات dmc، وأذيع لأول مرة فى 30 يونيو 2021، وشاركت بإعداده ضمن فريق محترف إخراجاً وتصويراً وإنتاجاً.
وصلنا أخيراً إلى القرية منهكين، لكن التعب بدأ يتبدّد فور أن التقينا الوشوش الطيبة، كل وشوش قرية الأشراف طيبة، لكنى ما زلت أحتفظ فى ذاكرتى بوجه «ناصر» تحديداً، طفل صغير لم يُكمل اثنى عشر عاماً، لكنه جميل الخِلقة والخُلق، ملامحه عذبة، ولسانه مفوه، عندما يتحدث يجذب انتباهك فوراً.
نشأ «ناصر» فى هذه القرية وسط إخوته الخمسة، هو سادسهم، إضافة لوالديه «سميرة» و«محمد». كانت أحلامه محدودة جداً داخل قرية تفتقر لخدمات الكهرباء ومياه الشرب، وليس بها وحدة صحية، وتبعد أقرب مدرسة عنها مسافة 5 كيلومترات.
قلت لـ«ناصر» إننى رأيت عمود كهرباء على مقربة من منزله، فأخبرنى أن هذه الأعمدة جديدة تم تركيبها منذ عدة أشهر عندما وصل مشروع حياة كريمة إلى قريته. تحدّث بسعادة بالغة عن دخول الكهرباء للقرية كأنه حدث تاريخى، فعلى مدار سنوات عمره لم يرَ نوراً داخل قريته إلا نور الصبح، فإذا حل المساء عتمت القرية.
خلال حديث جانبى دار بينى وبينه على كنبة خشبية بجوار المسجد، استأذن أن ينصرف قليلاً ثم عاد بعد دقائق، يحمل صينية عليها كوب شاى وزجاجة مياه، شكرته وطلبت منه أن يقدم ضيافته لشخص آخر، فابتسم «ناصر» وهو يخبرنى أنه «ماء حلو»، لم أفهم مقصده، فأوضح لى أن «الحنفية» دخلت إلى منزله، وأصبحت الأسرة الآن تهنأ بالمياه النظيفة والآمنة بعد أن قضت سنوات تحتفظ بالمياه فى جراكن تخزين تنقلها على بُعد مسافة بعيدة من المنزل.
قبلت ضيافة «ناصر»، شربتُ الماء الحلو وبدأت أرشف من كوب الشاى الأحمر الغامق الذى أعجبنى كثيراً، تطرّقنا للحديث عن الدراسة، فأخبرنى أنه يحلم أن يصير طبيباً. أخبرته أنه حسن الهيئة، وحسن الكلام، ويحمل -رغم طفولته- كاريزما تليق باسمه ولا أعرف سرها، هذه المقومات قد تجعل منه سياسياً أو مذيعاً أو ربما نجماً سينمائياً، فضحك بخجل، ثم كررها مرة ثانية: «حلمى أبقى طبيب»، فاستفسرت عن ذلك، فأخبرنى أنه يريد الالتحاق بالوحدة الصحية الجديدة التى شيّدتها «حياة كريمة» فى قريته، ليعالج الكبار والصغار ممن لم يلقوا رعاية صحية جيدة فى عقود ماضية.
حلم «البالطو الأبيض» الذى يراود «ناصر» بدأ يكبر منذ بناء المدرسة الجديدة القريبة من منزله بمراحلها الدراسية المختلفة، فقبل ذلك كانت المدرسة متهالكة وبعيدة ولا تليق -بكل ما تعانى- أن تكون مكاناً للعلم أو الحُلم، لكن مع التطويرات الأخيرة صار كل شىء على نحو أفضل. أصبح «ناصر» يحرص على الذهاب للمدرسة كل صباح، ويقضى بعضاً من مسائه وأيام الإجازة فى مساعدة والده بالعمل.
كنت وما زلت معجباً بشخصية «ناصر»، ولولا المسافة التى تبعد القاهرة عن أسوان لاتخذته صديقاً.
قبل أن أغادر، عبّرت له تقديرى له الذى لا ينفصل عن تقدير شديد أحمله فى داخلى للاسم الذى يحمله هو.
طلبت منه أن أكتب يوماً عن هذا اللقاء، فأوصانى حين أكتب أن أسجل تحياته لكل أبطال «حياة كريمة» الذين خططوا، والذين طرقوا باب قريته.. قرية الأشراف.