حوار ولى العهد السعودى.. تبعات مختلفة وتصريحات قوية
حوار الأمير محمد بن سلمان مع مجلة «أتلانتك» الأمريكية، أكد به خريطة معالم التغيير فى السعودية، حيث تحدث عن الإخوان والسلفيين وابن عبدالوهاب والانفتاح الاجتماعى والثقافى، فقال: إنه لا ينبغى أن تتم عقوبة دون نص قرآنى واضح، وأنه ملتزم بالأحاديث المتواترة، وليس أحاديث الآحاد، والحديث المتواتر هو: المنقول عن مجموعة كبيرة من الرواة يستحيل اتفاقهم على الكذب، وهو أعلى درجات الحديث صحةً وتوثيقاً، وحديث الآحاد هو: الذى يقِل فيه عدد الرواة عن هذه الكثرة، وينقسم إلى: مشهور، وعزيز، وغريب، وكل واحد من الثلاثة ينقسم إلى مقبول ومردود، والحديث الموضوع يدخل ضمن أنواع المردود.
ولم يتردد ولى العهد فى حسم جدل تبنى السعودية للمذهب الوهابى، فدعا إلى فك ارتباط السعودية بابن عبدالوهاب ومدرسته، قائلاً: «ابن عبدالوهاب ليس هو السعودية، وإذا ألزمنا أنفسنا بمدرسة معينة أو بعالم معين، فإن ذلك يعنى أننا قمنا بتأليه البشر، والاجتهاد مفتوح إلى الأبد، والشيخ ابن عبدالوهاب لو خرج من قبره ووجدنا نلتزم بنصوصه، ونغلق عقولنا عن الاجتهاد أو نضخمه لعارض ذلك، فلا توجد مدرسة ثابتة، والقرآن موجود، والفتاوى تتغير بحسب كل زمان ومكان». معنى ذلك أن السعودية ستعيد علاقة الدين بالدولة، وتعيد الموقف من قضايا المرأة والفنون والترفيه والعقوبات ونفوذ «هيئة الأمر بالمعروف»، والتصالح مع الواقع بعد عقود من التحريم لكل شىء، صحيح أن ما قاله ولى العهد ليس جديداً، ويعمل عليه منذ خمس سنوات، لكنه انتقل من التطبيق إلى التنظير بتوسع.
وهذا الذى قاله يصطدم مع ما استقر عليه علماء السعودية، ويبدو أن هيئة كبار العلماء بالسعودية لن تقدم على معارضته، بل كان لكلامه قبول ظهر فى بعض البيانات الصادرة من الهيئة التى جاء فيها: (ما أشار إليه ولى العهد من أن مرجع المسلم كتاب الله وسنة رسوله دون التقيد بمذهب معين أو عالم معين هو ما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة).!!
إننا نعتقد أن الفكر المتشدد المناقض للواقع الذى لم يتوقف عن اتهام المسلمين بالبدعية والشرك مع التحريم والرفض لكل شىء، هذا التيار يلفظ أنفاسه على يد ولى عهد السعودية، والدعم الذى كانت تقدمه السعودية لهذا التيار فى الخارج فى طريقه للتوقف.
لكن تظل الإشكالية الكبيرة متعلقة بمدى الحفاظ على الإسلام ومقاصده الكبرى فى رؤية السعودية الجديدة، وهنا نجد أن ولى العهد لفت إلى أن التوجهات الجديدة (لا تعنى التفريط فى الهوية الإسلامية التى طبعت البلاد بوصفها قبلة المسلمين، وقلب العالمين العربى والإسلامى، لكن المتطرفين اختطفوا الإسلام وحرفوه بحسب مصالحهم)، وسبق أن قال: (دستورنا القرآن وسيبقى كذلك، مثلما ينص على ذلك النظام الأساسى للحكم).
وفى وقت إعلان السعودية مجابهة التيارات الدينية، بما فيها السلفية -المكون الأكبر للعقل السعودى والذى من خلاله تشوهت صورة الإسلام النقية- يُخشى انفتاح وتحرر بلا قيود، وإقبال الشباب السعودى على النقيض تماماً؛ نتيجة للحالة التى أحدثها التشدد فى نفوسهم على مدى قرون، فيكون الانطلاق بلا حدود والنموذج الغربى هو البديل.
لذلك يجب أن تنطلق الرؤية السعودية من النموذج المعرفى المكوَّن من: نصوص الشرع، ومقاصده، وأخلاقِه، وقيمِه، وسننِه الإلهية، وآدابِه وفنونِه. ويكون جوهره: منظومة الأخلاق، والتعارف، والحرية، واحترام الإنسانية، والعدل، وشعاره: (إنما بعثتُ متمماً لمكارم الأخلاق)، ولا يأتى تطبيق يشوِّشُ هذا الجوهر، أو ينحرف عنه، أو يفارقه.